هوذا التاريخ يأبى الا ان يدس انفه في كل شيء ، ويحشر اصبعه في كل امر ليلقي ضوءاً ساطعاً على ما نسميه بالحوادث ، فيأتي بها صريحة ثابتة ، يتحتم على العقل البشري تصديقها اذ يدعمها هذا التاريخ بحججه الساطعة ، واثباتاته البينة . انه يثبت ما تزعزع منها فيظهرها على شاشة الحقيقة جلية واضحة .
لنعد الان الى ذلك العهد البعيد ، عهد خلق ابي البشر ، وتسويته من طين . ما ان دبت الروح في جسم آدم ، حتى هب منتصباً ينظر ذات اليمين وذات الشمال وكأنه يفتش عن ضائع ملك عليه رشده ، بعينين تتساءلان ، وعقدت الهيبة لسانه ، فنطقت اسارير وجهه بمكنونات قلبه .
ماذا تراه يريد ... وماذا تراه يود ... انه حائر متسائل ، انه يجد نقصاً في نفسه ، نقصاً في روحه ، نقصاً في معنوياته ... وكأن العناية الالهية وقد قرأت خفاياه ، وفهمت نياته ، أبت ان تطيل لوعته ، فاسبغت عليه نعمها وخففت عن نفسه حيرتها ، وملأت ذلك الفراغ من قلبه . فاذا حواء بجانبه . ها قد انتظم عقد الكون ، فاتت حواء ذلك الشطر البديع المتمم لتعيده الى الحياة الازلية .
مسكينة حواء .. انها اضعف من آدم بنية ، واقل منه قوة ، تخضع بحكم الطبيعة لارادته وتستكين راضية لمشيئته . رحماك اللهم بها ، أتعيش هذه الضعيفة اسيرة لذلك الظالم الجبار ، لا حول لها ولا قوة ...
لكن الله ، وهو اعدل العادلين ، وارحم الراحمين ، ابى ان يجردها من كل سلاح تدفع به عن نفسها ، فعوضها عن قوة آدم وشدته بميزتين متناقضتين تغلبت بها على الرجل ، فارتفعت بالاولى الى مصاف الملائكة ، وانحطت بالاخرى الى دركات الابالسة . انها مدعاة من دواعي النعيم او مورد
مهلك من موارد الجحيم ، بها تسمو الامم الى اوج العلاء وبها تهوى الشعوب متحطمة على شاطيء الفناء ، هي ملاك ان شاءت ، او ابليس ان ارادت .
الا تكون المرأة ملاكاً كريماً عندما يجد زوجها الى جانبها راحة وطمأنينة ... عندما تؤاسي نفسه ... وتخفف همه ، وتذهب شجنه في ساعات بؤسه والمه ... الا تكون ملاكاً رحيماً ، وخادماً اميناً عندما تضحي براحتها وهنائها في سبيل الجرحى والمرضى ... الا تكون ملاكاً كريماً وسيداً حكيماً عندما تسقي ذوب قلبها وأثير روحها لتلامذتها ... انها كل ذلك ، بل فوق كل ذلك .
ان ذلك الملاك اللطيف ليرضع ابناءه الخلال الكريمة مع اللبن ، ويهدهدهم بانغام الوطنية الحقة ويسقيهم مكارم الاخلاق والفضائل ، فينير دياجير عقولهم بنيّر الآراء ومستقيم الارشادات ، ويضيء سبلهم بنبراس الهدى والفضيلة ، فيسيرون في مضمار ذلك العالم بخطى متئدة رزينة في كنف ذلك الملاك الرحيم بابنائه ، الامين على مصالحهم الذي سدد خطاهم ونوّر عقولهم ، وهذب اخلاقهم ، ومن هو خير من تلك الام التي تنشئ هذه الامة ...
او ليست هذه مشتقة من تلك ؟..
كم ارتفعت بها الممالك وتحطمت على اقدامها التيجان ، كم دكت لاجلها حصون وكم خرت من اجلها عروش ..
ها قد اخذ الحمل الوديع يقود ذلك الاسد المصور ، ها قد اصبحت هذه الضعيفة قائدة لذلك الرجل القوي الذي اخذ يهتدي بهديها ويستنير بنورها ، ويبني على اسسها المتينة ذلك المجد الذي وطد به دعائم امته ووطنه ، فكانت هي الاساس وهو البناء ، وهي الروح ، وهو الجسد ، هي الحقيقة وهو التمثال ، ولكن من اغرب مايسمع به ، ان ذلك العاق ما ان رأى عوده يشتد ، وساعده يقوى ، حتى اخذ يجحد فضلها ، ويتنكر لها ، فينكر ما لها عليه ، وهي التي سوت منه بشراً صالحاً ، فيجردها من اهليتها ، لامور ظن انها وقف عليه دونها ، فاستأثر بها ، وكان انانياً الى حد غير معقول ، فاعلن على رؤوس الاشهاد انها لا تصلح للحكم ، ولا للعدالة ولا يحق لها التصويت في الانتخابات الحكومية ، وهي التي انجبت اولئك الحكام ، وانشأت اولئك القضاة وكونت اولئك الوزراء .
ان زنوبيا وجان دارك والخنساء ، ليظهرن ذلك التفوق العقلي ، ذلك التدبير السياسي والحربي ، وتلك الوطنية التي سجلها لهن التاريخ باحرف من نور على صفحاته ، فاثبتت للمرأة ، لذلك الملاك الرحيم وذلك الحمل الوديع ، دهاء الدهاة وقوة البسالة وعظمة العظماء . وناهيك بما تفوقت به المرأة من اللطف الغريزي ، والحيلة الواسعة والصبر الجميل ، والحلم وطول الاناة ، ان ذلك الملاك الضعيف ليؤثر على هذا الكون ايما تأثير فيسيّره على طريقته ، ويطبعه بطابعه ، ويلاعبه على اصابعه ، فيطأطيء له الملوك اجلالا وينحني له العلماء احتراماً ...


