في هذه الآونة التي يكثر فيها الحديث عن المرأة ، وحقوقها . وعن اثرها في تحقيق المثل العليا عند الرجل ، ودفعه الى الانطلاق في سبيل بناء عالم جديد عظيم ، يجدر بنا نحن نساء هذا البلد ، قبل ان نطالب بحق سياسي ، نظنه كل حقنا في الحياة ، ان نتعرّف الى الوجوه العظيمة في تاريخ المرأة ، هذه الوجوه التي شعّت فيها الوان البطولات والتضحيات ، فابدعت لنفسها عالماً جديداً ، خليقاً بالاجلال والاحترام ، وفتحت امام الرجل نفسه ابواباً من الخير ، كانت مغلقة في وجهه لولا حنانها .
انه لجدير بنا ، في هذه المرحلة من حياتنا ، رجالاً ونساءً ، ان نتعرف الى المرأة في شتى مراحل حياتها الانسانية . وان المرأة التي اتحدث عنها اليوم ، هي واحدة من هؤلاء اللواتي كانت حياتهن سلسلة متواصلة من الجهاد ، حتى استقام لها الحق الذي بغته ، واستقامت لمجتمعها بعدها ، الحياة الحرة التي تقف فيها المرأة مع الرجل ، كلاهما ، على صعيد واحد ، يعملان عقلاً وقلباً لهدف واحد مشترك ، هو بناء الامة والشعب بناءً جديداً .
... كان هذا من نحو مئة سنة ، يوم كانت المجازفات للفتيات فكرة ، يُنظر اليها بكثير من الريبة والشك ، يوم خرجت على التقاليد ، وقفزت فوق حواجز المجتمع ، فتاة سويدية ، عانت في نفسها شتى الوان القهر ، اذ رأت هذه القيود الثقيلة تشد بانسانية المرأة الى الحضيض ، وصمّمت على امر ما ، على امر يكون فيه خلاص المرأة من جميع هذه القيود ، فتنعتق مرة واحدة ، والى الابد ، من سلاسل المجتمع البغيضة ... فقامت بعدة اسفار ، وما انتهى بها التطواف حتى كانت قد تأججت في رأسها براكين الثورة والتمرد واضطرم دمها وضج
بمختلف انواع الاحتجاجات والاسئلة ...
وعادت الى بلاد السويد كما تعود الابطال من ساحة النصر في يدها مشعل الحرية ينير امامها الطريق ، وعلى فمها بسمة من الامل الندي الخصب ، وقلبها زاخر بالايمان القوي العميق ، والعزيمة العنيفة الصارمة التي لا تُرد !
مَن ترى تكون هذه الفتاة السويدية المتمرّدة على التقاليد ، تصرخ وتنادي مطالبة بحقوق المرأة ، مطالبة بمساواتها مع الرجل فيتردد رجع صوتها الصافي الحار .
وتمشي « فردريكا برمر » ، الفتاة السويدية الشقراء ، فتمشي خلفها جموع نساء السويد ـ تستصرخ بعضها بعضاً ، وتتكتّل تطالب ابناً تجوز المطالبة .
وتعالج فردريكا برمر مشكلة تحرّر المرأة السويدية بالطرق الايجابية وتتساءل بكثير من الاستنكار : لماذا ينفرد الرجل بالعمل الشريف والاستقلال المادي وتبقى الفتاة انكلابة خاملة ، مقصورة اليد ، معيشتها موكولة الى الرجل وحده ؟
ويدق النفير ، فتصحو الفتاة السويدية من نومها العميق ، تتقطب جباه الآباء ، وتشرس نظراتهم بغضب ، فما هان عليهم ان يُستَهتر بتقاليدهم وتخرج فتياتهم المصونات عن سلطانهم ... وتكون فردريكا في طليعة المحرّضات على العمل ، المحاربات للكسل والخمول ... ويحار
الناس مستغربين : ما حاجة هذه الفتاة الى العمل ولابيها مكانته المرموقة وثروته الطائلة ، فلا تجيب على تساؤلهم ولا تبالي بما كسة امها لها ، ولا تأبه لاحتجاجاتها المبنية على قصر النظر والتعصّب ـ ذلك الوحش الذي عزمت فردريكا على مصارعته والفتك به ، فقد تبين لها بوضوح ان لا حياة للمرأة السويدية ما لم تقضِ على هذا التعصب ، وتهدم جدرانه الغليظة التي صدت في وجهها نوافذ النور والمعرفة ...
وتدرك فردريكا بغريزتها المرهفة ، ان عدوّها عنيد لا يقاوَم بالعنف والشدة فتعمد الى الكتابة والتأليف ، وتفعل هذا سراً ـ حتى عن ابويها ، واول ما يظهر من كتبها تحت اسم مستعار هو : « الحياة اليومية في السويد » ويلاقي هذا الكتاب تقديراً ورواجاً ، يعود ريعه الى الفقراء من ابناء السويد ...
وتتجدد في رأس فردريكا فكرة الدرس والتعمق في العلم ، فتعود الى جامعة « ابسلا » الشهيرة ، تستأنف دروسها في الادب والفلسفة ، وهما بحثان كانت الفتاة شديدة الميل اليها ، وهناك ... هناك تقف وجهاً لوجه مع استاذها في الفلسفة ، فيخفق قلبها للمرة الاولى ، ويلوح في عينيها المشعّتين قبس سماوي يطفو على وجهها الفتي فيكسبه اشراقاً وروعة ... غير ان فردريكا ، بارادتها القوية المتغلبة ، تكتم هذه العاطفة التي تكونت في صدرها وهي في غفلة عنها ... وتقف هذه الشابة الذكية

