نحن ابناء جيل حائر مثقل بالتبعات .. نتطلع الى الماضي فنجل تراثه ونكبر سلطانه ، ونرى أننا ما نزال نخضع لكثير من تقاليده التي ان لم نحسن الاخذ بها وقفت حائلاً بيننا وبين التقدم الحق .. ثم نواجه حاضرنا فيتنازعنا فيه تياران : تيار وراثة الماضي ، وتيار مشاكل الحاضر . فنحار ونتردد بين الامرين . ثم نونو الى المستقبل وفي نفوسنا ما فيها من آمال وأماني وعزيمة وايمان ، فنستعد لمهاجمته وطرق بابه .. ولعمري ! ان لم نتخذ من الماضي أساساً ومن الحاضر عبرة وسلاحاً ، فلن نستطيع ان نهاجم المستقبل بما يقتضيه لنكون المجتمع الراقي ... المجتمع الذي تحمل المرأة وحدها لواء ازدهاره ولمعانه ، او تبعة فتوره وتخاذله ..
ان جمعية الشابات المسلمات نذرت نفسها لرفع مستوى الأسرة المسلمة كي تعد للمجتمع نساء يستطعن تأدية رسالتهن السامية تأدية كاملة .
وما يزيدها تفاؤلاً بمستقبلها ، كون الطريق اليه أصبح آمناً شبه ممهد ..
فالمرأة اليوم قد استعدت للكفاح ولخوض الميدان الفسيح الجنبات تطل على هذا المجتمع الذي لبث احقاباً
جافاً ، لفقدانه نعومة سياستها ، وليونة كلامها ، فكان وما يزال في كثير من النواحي مشلول اليد مهيض الجناح .
لم يزل في طريق المرأة بعض العقبات وعلى المرأة وحدها أن تتولى القضاء عليها . فلم يبق هنالك من يلقي الاشواك في طريقها ، او يحول دون سيرها .. بل اننا ، أنى التفتنا نرى الجهود مبذولة في سبيل تذليل كل عقبة امامها .. والرجل الذي كانت تعده مسؤولاً عن تأخرها وتخلفها وتواريها ؛ لم يعد حائلاً دون نهضتها ، ولا معترضاً طريق رقيها ، بل هي ترى فيه المناصر الأول لقضيتها . وهو الذي يتوق الى مجتمع هاني ، وجو يشع فيه لألاء الروح المتجددة في منزل أمين يطمئن فيه الى شريكة حياته ويعتمد على ثقافتها في تربية ابنائه .
ان العصور الماضية اسدت ستاراً كثيفاً على مواهب المرأة ، حال بينها وبين واجبها الحق في الحياة . فتخاذلت وراء الستار قواها ، وتباه ادراكها ، ووهنت عزيمتها .. لكنها كانت مسؤولة الى حد ما في هذا الاستسلام وتلك السكينة .. وهي التي ان تطلعت الى صدر اسلامها ؛ أو اذا جاوزت ذلك الى جاهليتها لعلمت ان المرأة لم تكن شخصاً متوارياً مستذلاً . بل إن الاسلام قد أجل مكانها ورفع من شأنها والقى في نفسها إشعاعاً ملأ قلبها النابض يقظة وحماة فاقبلت على العلم تنهل منه ما استطاعت ، واندفعت الى الجهاد بنفس عامرة وايمان مكين ، وهكذا فقد سجل التاريخ اسماء بطلات عربيات وشاعرات واديبات كان الاسلام شاحذاً لهممهن
ونبوغهن .
ما اجمل موقف تلك المرأة العربية الجريئة من عمر بن الخطاب ، يوم وقف خطيباً فقال : « ايها الناس لا تغالوا بصداق النساء فلو كانت مكرمة في الدنيا او تقوى عند الله لكان اولاكم بها رسول الله ، وما أصدق امرأة من نسائه اكثر من اثنتي عشرة اوقية » . فقامت اليه امرأة ، فقالت : يا امير المؤمنين ! لم تمنعنا حقاً جعله الله لنا ؟؟ والله تعالى يقول : « وآتيتم احداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً » . فقال عمر : « كل أحد اعلم من عمر » ... ثم التفت الى اصحابه وقال : « تسمعوني اقول مثل هذا القول ، فلا تنكرونه علي حتى ترد علي امرأة ليست من اعلم الناس » ؟؟
اننا اليوم نواجه زماناً يقتضينا نهوضاً ويقظة والرجل قد بدأ يشعر بحاجته الى ساعد المرأة في جهاده العمراني والاجتماعي .. وبدأ يدرك أهمية الرسالة التي تؤديها المرأة للحياة إن هي احسنت القيام بها .. والرجل الذي يتطلع الى المستقبل النير ويتوق الى المجتمع الافضل لا يشك في انه ان لم يمد المرأة يد المساعدة ، وتكانفه هي بدورها ، لا يمكنه اجتياز المرحلة بثبات وأمن وسلام حتى يصل الى الغاية ظافراً ..
فيا اختي ! الميدان أمامك فسيح الجنبات ، والمجتمع بحاجة الى مجهودك المبارك .. وان مصير قومك ليتأرجح بين يديك ، فاما ان تكوني مقدامة مخلصة ثابتة الخطوات فتخلقي مجتمعاً راقياً زاهياً واما ان تكوني لاهية متوانية تشغلك مظاهر الحياة عن الاخذ بجوهرها ، فيضيع وقتك وتفوتك سوانح الفرص ، وتسبين بذلك الى بيتك ومجتمعك ووطنك !! ولا تهولك كثرة التبعات ، فهي امتحان لك وعلى حسن القيام بها تتوقف نتائج جهادك .
سعاد ابو شقرا


