- ١ -
اتاحت لي الفرصة زيارة بلاد المكسيك قبل ثلاثة اشهر من الحرب الاخيرة ، ودعاني صديق لتناول طعام العشاء في احد المطاعم الكبرى في مكسيكو العاصمة ، فاسترعى نظري لباس الاوانس العاملات في المطعم اذ ذكرني هذا اللباس بما طالما رأيته في متحف القاهرة من موميات فرعونية ، خصوصاً وانه لا يختلف ، من غطاء الرأس حتى النعل ، عن كسوة المرأة في عصر الفراعنة ، سواء بهندامه او الوانه او نقوشه .
ولماذا اختار صاحب المطعم لعاملاته البسة بنات النيل في العصر الفرعوني ؟ وجهت هذا السؤال لرفيقي فابتسم وقال : « ان هذا الزي ان هو الا زي نساء المكسيك في العهد القديم » .
اثار هذا الجواب انتباهي وشوقي للتعرف الى وجه الصلة التاريخية بين مصر والمكسيك وازددت اهتماماً بهذا حينما شاهدت في سهل « تيوتيهواكان » في منعطف وادي المكسيك على بعد خمسين كيلومتراً من العاصمة وفي « تشوشيكالكو وتشولولا » ، اهرامات قائمة مثل اهرامات مصر ، وهي مشيدة على قاعدة هندسية لتكون مزولة دالة على فصول السنة مثل هرم الجيزة الاكبر . وتساءلت ايضاً اذا كانت الثقافة المصرية بلغت القارة الاميركية ، وحملت معها تصميم الاهرام ، بل اني استرسلت في
التفكير الى ابعد من ذلك ؛ الى التساؤل عما اذا كانت عقيدة خلود النفس وما رافقها من فن التحنيط قد رافقت ايضاً ، في رحلتها من مصر الى المكسيك ، مشروع الاهرام لما بينهما من الارتباط ، لا سيما لان طريقة التحنيط كانت واحدة عند الفراعنة وسكان اميركا الجنوبية ، ولا تختلف حتى في الصغائر .
هذا الاهتمام في الماضي اثار في نفسي حب الاستطلاع والمراقبة للاحياء المعاصرين ايضاً ، للبحث في احوالهم والنظر اذا كان لا يفتأ يوجد تشابه ايضا فيما بين مصر والمكسيك في العصر الحاضر .
المفروض انتقاء وجه الشبه بين القطرين ، ذلك لان بلاد المكسيك قائمة على جبال شماء ، تتخللها اودية غائرة ، وتتجلى في اهلها صلابة الصخور وضراوة النسور بينما مصر تنبسط حول وادي النيل الخصب الريان فتتجلى في سكانها طراوة الانهار وعذوبة تغريد الاطيار . ومع ذلك فقد لاحظت وجوه شبه كثيرة حتى يومنا هذا بين المصريين والمكسيكيين خصوصاً في الاوساط الزراعية . فما اكثر ما يتشابهون في صعيد اختيار الالوان واشكال اردية النساء وقلائدهن الذهبية ؟ وما اشد ما يتقاربون في الاعتماد على الاساليب الزراعية القديمة وادواتها ! هذا فضلاً عن تشابههم في بعض العادات القديمة مثل الخطبة وبعض الحفلات الشعبية . على ان وجه الشبه بين الشعبين كثيراً ما
يبدو أيضاً في بعض المآكل : فالفول المدمس عند المصريين هو الصحن الشعبي. وكذا في المكسيك فإن الذرة المتبلة بالحامض والفلفل هو الصحن الشعبي أيضاً . والذرة عند المكسيكيين أهم عناصر الطعام ويعتمدون عليها مثلما يعتمد الفلاح المصري على الفول ، ويستعملون الأوراق الشفافة من عرانيسها لفائف للتبغ .
اضف الى ذلك ، كما ان المصري يألف بطبيعته الابازير الحارة ، وتطيب له المآكل الحافلة بانواع الفلافل والبهار فان المكسيكي شديد العناية أيضاً بهذه الابازير ، لا سيما الحارة منها ويبلغ من شغفهم بها انهم يعملون في مدينة ماريده توابل بالفاكهة حافلة بالفليفلة الحارة .
هذا ، وعلى ما بين المكسيكي والمصري من تباين في بعض النواحي الخلقية ، فانه يوجد بينهما وجوه شبه في نواح اخرى فطرية ، فالخفة ، وحب اللهو واللامبالاة بالغد ، هي من طبيعة المكسيكي كما انها من طبيعة اصلاء المصريين . ان المكسيكي ينفق كسب يومه غير حاسب أي حساب للغد متمشياً على قاعدة « انفق ما في الجيب يأت ما في الغيب » .
قد يقال ، فلنرجع هذا التشابه الكثير الموجود بين الشعبين الى تأثير الجو والحرارة في كلا القطرين ، لأن كلا منهما قريب من خط الاستواء ، اجل اذا


