ذهبنا هذا المذهب وبغينا ان يكون للتاريخ صلة ما بذلك التشابه ، فماذا عسانا نفسر التشابه بينهما في الصنائع القومية الخاصة ؟
اذا دخلت مخزن بائع التحف والصناعات المكسيكية القومية والتفت عينة وبسرة تراقب المنسوجات الوطنية وسائر المصنوعات التي تحتفظ بالطراز المكسيكي ، ورأيت البسط والفخار واشكال الزوارق ، وتدبرت فيما تشاهد من نقوش واصبغة والوان ورسوم واذواق ، خيل اليك كأنك تدخل مخزناً من مخازن التحف المصرية في القاهرة ، او متحفاً في احد المتاحف الفرعونية .
والى ذلك فقد لاحظت ان هنود المكسيك ، وهم سواد الشعب ، لا يقتصر الشبه بينهم وبين الشرق على ما بينهم وبين سكان ارياف مصر والعراق فحسب بل يتعدى ذلك الى وجود كثير من التشابه بينهم وبين اهل بوادي سائر الامصار العربية .
ومن الصدف انني عثرت ، وانا اكتب هذه الكلمة على كتاب كنت وجهته الى زوجتي من مكسيكو يوم ١١ نيسان سنة ١٩٣٩ تعرضت فيه لهذا الموضوع وقلت : كنا نجتاز المسافات الطويلة ولا نرى فيها الا افراداً قلائل من الهنود ، وهم لا يزالون كثرة في المكسيك ، وربما كانوا ثلثي الاهالي . اما لباسهم فقميص وبنطلون ابيضان ، وعلى اكتافهم حرام من الصوف مقلم اشبه شيء ببسط البدو في بلاد الشام . وهو من عمل أيديهم ، وهم يسيرون شاهري السيوف ، ويتقلدون احياناً القوس والنشاب . اولئك هم اهل الجبال ، وأما في
الاراضي المنبسطة فالسكان اهل الارياف هم اشبه شيء ببدو بلادنا المتحضرين وبفلاحي مصر ، يحملون الألبان على الحمير ، وينقلون عليها وعلى ظهورهم محاصيل قراهم ومنتوجاتهم لبيعها في الاسواق ، وكثيراً ما كنت ارى المرأة تحمل هذه الاثقال وحدها ، ويمشي الى جانبها زوجها مشية السيد ، او يسير امامها .
وكثيراً ما كنت ارى النساء الفلاحات يحملن اولادهن على ظهورهن ، ملتفات بازرهن شأن البدويات في بلادنا ،
أو ملقيات خيوط الصوف المنفوش على أكتافهن ، يغزلنه بالمغزل وهن سائرات . اما بيوت هؤلاء الهنود فهي اكواخ من السعف مسقوفة بالقش ، أو اكواخ مبنية بالحوض الشبيه بورق الموز ، ومسقوفة ببعض النباتات .
وعلى رؤوس الرجال قبعات كبيرة عريضة . اما النساء فيتحفن من قمة الرأس الى القدم باردة كأزر نساء قرية دوما بالشام ، بعضها مقلم وبعضها اسود .
( يتبع )

