ليس موضوع المرأة بالموضوع المحدود، وليست حياة المرأة مقصورة على الشؤون المنزلية وحسب، فعالم المرأة واسع رحب يمكن لكل راغب في الحديث ان يجول فيه، خصوصاً في مجتمعنا حيث لا تزال المرأة تتجاذبها تيارات عنيفة مختلفة، منها ما يعارض بعضه بعضاً ومنها ما يتفق. فعندنا الافكار المحافظة والافكار المتحررة، وعندنا من يقول بمساواة المرأة بالرجل في التعليم والثقافة ويتحمس لفكرته، ومن يعارضه في هذا فلا يرى ضرورة ان تتعلم المرأة اكثر من امور محدودة تساعدها على القيام بالمهمة التي خصتها الطبيعة بها ويتعصب لرأيه.
غير اني لن اطرق هذا الباب فطالما سمعنا فيه احاديث واحاديث... ولكن سأطرق موضوعاً بسيطاً جداً، بسيط،
الا أن الذي يدعوني ليحثه هو انه يتعرض للناحية العملية من حياة المرأة، الحياة اليومية التي يريد كل فرد منا ان يأتي فيها شيئاً مجدياً نافعاً يكبر مع الزمن وينمو باضطرار الى ان يأتي اكاء. وهو الى هذا مستمد من تجاربي الشخصية بطبيعة عملي.
ان اول وأهم شيء يلفت نظري وانا في طريقي كل صباح الى المدرسة جمهور الخادمات يجررن بايديهن الاطفال ليوصلنهم الى المدرسة، فهذه تسبق طفلاً عجز عن اللحاق بها وتريده ان يسرع مثلها والطفل وراءها يبكي ليفهمها ان ليس باستطاعته
الركض على هذا الشكل وتلك واقفة بجانب طفل آخر تلهى بالتفرج على سيارة ادهشها منظرها، والطفل يحاول مغافلتها ليعبر الطريق الى الرصيف المقابل؛ فيفعل ويصل سالماً بعناية الله ومساعدة بعض المارة. وثالثه تلتقي بصديقة لها تقف لتمد معها حديثاً لا ينتهي، فيصل الطفل الى المدرسة متأخراً.
هذه المشاهد وغيرها تتكرر كل صباح وكل مساء، عند غدو التلاميذ ووقت رواحهم. ولكن ليس من أحد يلاحظها او يفكر بما يترتب عليها او يتساءل عن مدى تأثيرها في تربية الطفل وتكييف اخلاقه وتوجيه فكره ونفسه.
مساكين مثل هؤلاء الاطفال! يترك اهلهم امرهم في يد الخادم - الغريبة الجاهلة في اكثر الاحيان - فيأخذون عنها العادات القبيحة وفساد الذوق، حتى اصبح الفرق شاسعاً بينهم وبين رفاقهم في المدرسة. فعلى من تقع مسؤولية ذلك، ومن هو الملام في امر هذا الاهمال؟ انها الام، الام وحدها. فالخادم لا يمكن ان تكون مسؤولة عن الطفل حين ترافقه او تلاعبه لانها لا تشعر بهذه المسؤولية، ولأن تربيتها هي نفسها ليست بالتربية التي تؤهلها لتولي شؤون الطفل والعناية به. ولست ادري كيف تسمح الام لنفسها ان تولي امر فلذة كبدها الى خادم لم تدخلها بيتها الا لتقوم بالاشغال العادية، كالكناسة والعجين والجلي وما اليها، فيحرم الطفل من عطف امه ورعايتها حيث يحتاج الى مزيد من هذا العطف وتلك الرعاية، فينتج عن ذلك ان الطفل يتعلق بالخادم ويصبح اشد حباً لها من حبه لوالدته. وكم نرى من الاطفال ينفرون من والديهم ولا يطيعون الا الخادم ولا يسمعون الا ما تقوله لهم. وليس هذا بغريب ما دامت هذه الخادم تتسلم امر الطفل من حين نهوضه، فهي تلبسه وتطعمه وتصحبه الى


