


في حقل واسع كانت تعيش ازهار برية جميلة المنظر مختلفة الالوان منها بنفسج واقحوان ومنها بخور مريم وشقائق النعمان . غير ان زهرة من ازهار بخور مريم كانت تختلف بلونها الوردي الجميل عن اخواتها الزاهيات بلونهن الابيض . وكان لونها هذا النادر يجعلها تفتخر بنفسها وتتكبر على اخواتها ؛ وكان احتقارها لهن شديداً جداً حتى انها تأنف من ان توجه اليهن الكلام . وكانت تحتقر ايضاً الفراشات الناعمات البديعات الالوان فكلما اقتربت واحدة منهن لمحادثتها صدّتها بعنف ، ومن ذاك الحين اصبحت كلّ من الفراشات تداعب الزهرات الاخر وتلاعبهن وتنقل اخبارهن من الواحدة الى الاخرى ضاحكة فرحة من غير ان تعير تلك الزهرة المتكبرة اقل اهتمام .
فعاشت زهرة بخور مريم ذات اللون الوردي وحيدة منفردة لا زهرة تحدثها ولا فراشة تلاعبها .
وفي يوم من الايام نبتت نبتة صغيرة بالقرب من تلك النبتة الجميلة الزاهية بلونها النادر ؛ استمالت هذه النبتة الصغيرة انظار جميع ازهار الحقل واثارت اهتمامهن وما طال الوقت حتى نمت وكبرت وفتحت اوراقها فاذا بها زهرة بخور مريم نادرة الجمال ذات لون ابيض مبرقش بنقط حمراء .
فدهشت جميع الازهار لحسنها وهتفن معجبات : « ما اجمل هذه الزهرة ! » ثم سلمّن عليها . فردت عليهن التحية بلطف ثم نظرت حولها فتعجبت عندما رأت ان جميع ازهار بخور مريم ذوات لون ابيض ناصع لا يخالطه لون آخر . وبعد قليل وقع نظرها على جارتها تلك الزهرة الجميلة

المتكبرة فقالت لها : « ارى اننا نحن الاثنتين نختلف بالواننا عن اخواتنا ، تعالي يا جارتي نتصاحب ونلهو معاً » . لكن الزهرة ذات اللون الوردي أشاحت بوجهها عن جارتها ولم تجبها لانها غارت من جمالها وحسدتها عليه .
فلما رأت تلك الزهرة الفتية انها لم تنل جواباً من جارتها وجّهت حديثها الى بقية ازهار الحقل وأنست بهن وبادلتهن الصداقة وما لبثت حتى الفت الفراشات وألفنها واخذن يرفرفن حولها فرحات بينما كانت جارتها المتكبرة تنظر اليها نظرات حادة رديئة .
وفي يوم من الايام مرّ جماعة من الاولاد في الحقل بالقرب من هذه الازهار واخذوا يقطفون الازهار الجميلة بينها . فخافت الازهار على صديقتهن الجديدة المبرقشة فأخذن يلتففن حولها ويغطينها باوراقهن والفراشات بأجنحتهن وهكذا مددن فوقها ستاراً يخفيها عن انظار اولئك الصبيان . اما الزهرة المتكبرة التي كانت تحب ان تبرز جمالها وتظهر حسنها فلم يهتم احد باخفائها وبعد هنيهة وقع نظر احد الاولاد عليها فصاح : « انظروا ! زهرة بخور مريم ذات لون وردي ! حقيقة انها جميلة » .
فركض اليها وقطعها ؛ وحملها الى بيته ووضعها في اناء مع ازهار اخرى ؛ فذبلت بعد وقت قليل وفقدت جمالها وطرحت خارج الدار .
وهكذا أصبحت الزهرة البيضاء المنقطة بالاحمر اجمل زهرة في الحقل وعاشت بين اخواتها عيشة سعيدة .