كتاب المرأة للدكتور جورج حنا ذو قيمة خاصة من الناحية العلمية فهو من الكتب القليلة في العربية التي تشرح للمرأة بأسلوب علمي واضح سهل أسرار حياتها الفيزيولوجية وتتبسط في معالجة مواضيع التناسل والزواج والأمومة التي لا تزال مغلقة على الفتاة في كثير من مدارسنا. مع أن مثل هذه المواضيع يجب أن تؤلف جزءاً أساسياً من دروس الفيزيولوجيا وعلم الصحة في المدارس الثانوية، أما السبب في حجبها عن الطالبات فهو إما التعصب أو الرجعية أو انعدام الدروس العملية من منزلية ونحوها لانعدام الاختصاصيين في هذه المواضيع.
ولا ينحصر الكتاب في الناحية الطبية التي تظهر فيها خبرة المؤلف الطويلة لكنه أيضاً - كما يدل العنوان - يلمّ بالناحية الروحية من حياة المرأة، شأنه في ذلك شأن الطبيب الحديث الذي يدرس نفسية المرأة حين يعالج جسمها أو المفكر الإنساني الذي أكسبته عشرة المرأة عطفاً عليها وتفهماً لمشاكلها. وله في هذا الموضوع آراء قيمة أرجو أن يجد لها بيننا الأنصار الكثيرين وأن لا يطول بها الزمن حتى تصبح حقائق لأنها تعبر بصورة صريحة عن تفكير الجيل الحديث المتطلع إلى حياة جديدة وإصلاح يغني عن الترقيع. فمنها دعوته إلى الزواج المدني لأنه حق من حقوق الشعب الممثل في حكومته ولأنه أضمن لاستكمال الشروط الصحية والاجتماعية في طالبي الزواج، وأكثر تمشياً مع حاجات العصر. كذلك دعوته إلى التزاوج بين الطوائف المختلفة كوسيلة لمكافحة التعصب. ومنها دعوته إلى مساواة المرأة بالرجل في حقوق الطلاق والوصاية كما في حقوق العلم والعمل، لأنه قد مضى عهد الأسطورة التكوينية التي جعلت المرأة ضلعاً من أضلاع الرجل وحتمت عليها الخضوع لمشيئته. ومنها أيضاً تحريض الأم على النشاط وعدم الاستسلام للخمول بعد الزواج فهي التي يجب عليها إرضاع طفلها بدلاً من استخدام المراضع
وهي التي يجب أن تقوم على تربيته وتثقيفه بمؤازرة الرجل ولا يتأتى لها ذلك ما لم تتابع نشاطها العقلي بعد الزواج.
على أن في الكتاب من ناحيته الاجتماعية آراء تحتمل المناقشة لأنها لم تُدرس درساً عميقاً كإخضاع عن التوسع فيها حجم الكتاب. من ذلك تمسكه بالأسطورة القائلة إن عمر الزوجة يجب أن يكون نصف عمر الزوج مع إضافة سبع سنوات إلى هذا النصف، هذا الرأي لا يستند إلى أساس فيزيولوجي لأن فرق سن البلوغ في المرأة لا يجاوز ثلاث أو أربع سنوات عما هو عند الرجل وكذلك فرق سن الهبوط والدخول في الهرم. وهو كذلك لا يستند إلى أساس اجتماعي لأنه متى بعدت شقة العمر بين الزوجين إلى الحد الذي أشار إليه أصبح التفاهم بينها متعسراً لأن ذهنية الرجل تصبح ذهنية الجيل الأسبق بالنسبة إلى المرأة.

كذلك نستطيع مناقشته في موضوع العوانس والزواج الحر. أما العانس فهي التي طال مكثها في بيت والدها وعاشت عيشة كئيبة منتظرةً الزوج (حسب القاموس). لكن التي انعتقت من سيطرة الأهل واتخذت لنفسها مهنة أو عملاً تصرف إليه جهودها فلا يصح أن تسمى عانساً بل امرأة عازبة متحررة وهي لا تتعرض لمثل ما تتعرض له العوانس من اضطرابات خُلقية أو نفسية وقد كثر أمثالها بين نساء الغرب في هذا العهد التحرري.
أما الزواج الحر فظاهرة تدعو لها بعض حكومات أوروبا رغبة في تكثير النسل بعد ما أصاب البلاد من نقص في السكان على أثر الحروب الطاحنة، أو حلاً لمشكلة النساء
العوازب اللواتي قتل رجالهن في الحروب وزاد عددهن على الرجال زيادة فاحشة.
وليست هذه مشكلة بلادنا التي تكاد تضيق بسكانها حتى تدفعهم إلى الهجرة، ولا نحن نشكو زيادة عدد النساء على الرجال. ولو فرضنا أننا استطعنا مداواة الأسباب الشائعة لأزمة الزواج، أعني العسر الاقتصادي من جهة وضعف الاختلاط بين الجنسين من جهة أخرى، لبقي رغم هذا عدد من النساء العازبات لأسباب ثلاثة: إما ضعف أو تشوّه جسمي في الفتاة، أو شذوذ عقلي وغرابة في الأطوار، وفي هاتين الحالتين أفضل للفتاة أن لا تُقدم على الزواج وكذلك للفق - وسبب ثالث هو الطبيعة الاستقلالية التي تمنع الفتاة من العثور على الرجل الذي يلائمها ويدفعها إلى تفضيل الحياة معه على حياة العمل المستقل.
وفي رأيي أن الفتاة التي تشعر بدافع إلى الزواج يجعلها ترضى به حراً، لا تستطيع قوة في الأرض منعها عن الزواج الشرعي ولو بعامل بسيط أو موظف حقير.
فيكون الحل لهذه المشكلة: حل أزمة البطالة ومشكلة الفقر، تشجيع عمل المرأة لكي تعاون الرجل في الإنفاق على الأسرة فلا يخاف الزواج رغم فقره، تشجيع الاختلاط بين الجنسين في النوادي ومراكز العمل، إزالة الحواجز بين الطبقات بواسطة الثقافة لكيلا تأنف المرأة من الاقتران بمن هو دونها في المركز الاجتماعي، تسهيل العمل للواتي يصدفن عن الزواج لأحد الأسباب الثلاثة المار ذكرها.
وبعد فمن دواعي الخير أن يظهر بين الرجال من يدعو إلى إنصاف المرأة ويثير النقاش في موضوعها. وإني أعد هذا الإنصاف ضرورة لبلادنا ليس فقط من الناحية الاقتصادية التي يشير إليها البعض حين يقولون إن الطائر لا يطير بجناح واحدة، ولكن أيضاً من الناحية الأخلاقية، لأن سيطرة الرجل على المرأة ضبط بإخلاقي إذ تربي فيها الرياء والخنوع وفيه الأنانية والاستبداد.
وإن نساءنا اللواتي تشغل المطالعة جزءاً غير يسير من حياتهن - كما ثبت لنا بالدرس - سيجدن فائدة في قراءة هذا الكتاب ويشكرن المؤلف الذي يجادل فهم المرأة ومناصرتها بجرأة وإخلاص، وقليل من الرجال كذلك.
ر.غ

