−١−
لم تكن لتصدّق أنه مات، وقد جلست بجوار النافذة الضيقة لا تدري كم طال عليها الجلوس، على أنها كانت تحسّ أن دهراً مضى عليها وهي على هذه الحال، وأنّ في حنايا صدرها كآبة خرساء تشبع حيناً بعد حين، فتودّ لو طفرت عينها بالدمع، أو غفا لها جفن، أو هدأ بال، فإذا هي مثقلة بالحمل، رازحة بالهمّ، حتى لكأنها طوّقت بحجر الرحى وطُرحت في اليمّ، والموج من حولها عالٍ مضطرب، والريح ثائرة هوجاء، والظلام حالك رهيب يغمر كل شيء.
ولكنها كانت ترقب الصباح، والليل ينزع شيئاً فشيئاً، فإذا مرّت لحظات ولاح شبه صليب على التلّ البعيد، خفق قلبها وتململ، فراحت تتحسّس كنفها الواهنة حيث كان قد ارتقى منذ ليلة وليلة ذلك الجسد الهامد، وراحت تتلفّت حولها شاردة اللبّ باحثة عن قارورة الطيب، حتى إذا عثرت عليها بين طيّات ثوبها، ضمّتها إلى صدرها كما تضمّ الأم ابنها الغالي الوحيد، وتركت الحجرة العامة كأنها قفر موحش لا يُطاق.
*
−٢−
كانت الدنيا ما تزال في دجىً خفيف، وقد غطّت وجه الأرض غلالة رقيقة من ضباب، وشعّت في طرف السماء نجمة الصباح، فخيّل إليها وهي تضرب في الدرب المتلوّية أنّ هذه النجمة ترافقها وتماشيها، فتجدّ في السير إذا جدّتْ، وتتمهّل إذا تمهّلتْ، ويخبو ضوؤها وبتيه إذا خبت نفسها وتاهتْ، حتى لكأنّ هذا الشعاع الباهت الذي يتخبّط في الظلام
هو هذه النفس الحائرة التي تتعثّر بالحرمان - قد هجعت لحظة من الزمان، ثم قامت فلم تجد حولها غير عيون ساخرة، وشفاه هازئة، وأيادٍ تهتزّ غضباً وكراهية - وقد كانت من قبل همس العيون، وحديث الشفاه، ودمية الأيدي، تنحني لها الهامات من روما وأوروشليم، وتترقرق لها كؤوس البلور باعتق الخمور، وتنهّد دونها الأسرّة من ريش النعام، والدنيا من حولها صاخبة بالعربدة والعبث والمجون!...
ومضت في سيرها لا تنوي على شيء، فهبّت نفحة من ضباب آتية من خلف الربى والتلال، فأحسّت فيما يشبه الحلم أن قلبها ينعصر بين جوانحها وينسحق، كأنما وجوه وعمائم تحيط بها، وكأنما جماعة من الشيوخ التفّوا حولها، فقبضوا عليها، ثم مزّقوا ثوبها وجرّوا من شعرها، حتى إذا بلغوا ساحة الهيكل، حيث كان يسوع جالساً، طرحها كبيرهم أمامه قائلاً:
− «هذه امرأة امسكتْ في مُنكر... فهل نرجمها...؟!»
وقال آخر:
− «هكذا أوصانا سيدنا موسى، فماذا تقول أنت...؟!»
وكان يسوع حافي الرأس، يخطّ بإصبعه على الأرض، والجمع ينتظرون الحكم بالرجم، وهي تحجب وجهها براحتيها وشعرها الطويل، كأنها تتقي تلك الأيدي الجبارة التي ستنهال عليها بالحجارة من كل صوب، ولكن يسوع رفع رأسه، فإذا جفون قريرة الأعماق، وجبهة رحبة الفضاء، وطلعة كالصبح سنيّة البهاء، فنظر إليها وأطال النظر، ثم نظر إليهم متفحّصاً خبايا نفوسهم، وصرخ فيهم متحدياً ما يجول بخواطرهم:
− «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر أولاً....»
وحنى رأسه، وعاد يخطّ بإصبعه على الأرض، وقد عبست الوجوه، واهتزّت العمائم، وانتفضت اللحى، ثم غابت في همهمة ذليلة خلف السور، ومريم لا تصدّق ما جرى، وبودّها لو رفع رأسه ثانية، أو فتحت فاها بكلمة، ولكن يسوع بادرها قائلاً:
− «أين هم أولئك المشتكون عليك...؟!... أما دانك أحد يا امرأة...؟»
− «لا أحد يا سيدي...»
− «ولا أنا أدينك... اذهبي ولا


