حتى يختلج اختلاجة شديدة ، ويصرخ بصوت معذّب منهوك :
– « لقد أُكمل ... » .
وكأنما اظلمت الدنيا ، فوجم الناس ، وساورهم ذعر وقلق ، حتى اذا اطبق الظلام وتفرّق القوم وذهبت الى الصليب مع الذاهبين ، ارتقى ذلك الجسد الهامد على كتفها الواهنة لحظة من دهر ، ولكنهم ، في طرفة عين ، اخذوه ، ولفّوه بالاكفان البيض ، ثم وضعوه في مغارة البستان ، ودحرجوا على بابها حجراً ثقيلاً ، وهي واقفة مع امه ونساء وعذارى كثيرات ينظرن من بعيد ...
*
– ٥ –
وكما تلتفت الحالمة اذا افاقت ، التفتت مريم ، فاذا هي قد بلغت حافة البستان ، والدنيا من حولها ظلال واطياف واضواء بشتى الالوان ، تقبض في الآفاق المترامية ، فتغمر بعض غُييْبات انتشرت هنات هنات ، وتطفو على زرقة الجو وخضرة الربى والتلال ...
واسرعت نحو القبر تخنق العبرات ، حائرة في من يدحرج لها الحجر الثقيل ، ولكنها ما جاوزت غير بعيد حتى رأت الحجر مدحرجاً ، والقبر فارغاً لا شيء فيه ، سوى اكفان مرمية ومنديل ملفوف ، فانهدت على الحجر البارد ترويه دمعها السخين ، وتبثّه كل ما في قلبها من بؤس وخيبة وحرمان .
ومرّت اللحظات كأنها الدهور ...
ومرّ في سمعها همس هاديء قرير :

