لا أعرف لماذا كتبت إليك هذه الرسالة. كان يجب علي ألا أكتبها أبداً ولكن قوة قاهرة دفعتني، وعاطفة عميقة أخذتني ورغبة مستبدة قاسية ختمت على بصري وجردتني من كل عقل وكل فكر وكل إدراك.
ماذا؟؟... أفي مقدور مثلي أن يتطلع إلى السعادة؟... أفي مقدور مثلي أن يجالس النعيم؟... أنا رجل في الثالثة والخمسين من عمري، وأنت.. أنت فتاة في الثانية والعشرين!.. ومع ذلك فيجب أن ألقي عند قدميك بحملي، ويجب أن أفتح لك مغاليق صدري، ويجب أن أعترف لك بهذا الحب الطارئ القوي العنيف الذي غافل قلبي وغافل فكري واستقر من كياني المعذب في الصميم!...
نعم أنا أحبك يا فتاتي!... أقولها والخجل يملأ نفسي، والذلة تسحق فؤادي، والعار يجلل هامتي. ولكن ما حيلتي في عواطفي، ما حيلتي في وثبات روحي، ما حيلتي في نداء الشباب والحياة الذي
يجلجل من حولي، ويصم أذني، ويعميني عن رؤية حقيقتي!...
إنها لجريمة مني أن أفكر فيك، وجريمة مني أن أعبدك، وجريمة مني أن أخط مثل هذه الرسالة إليك. ولكنني أريد أن أعيش وأنت واسطة حياتي. أريد أن أنتشي وأنت صبابة كأسي. أريد أن أتفوق على المرض والضعف والشيخوخة والموت وأنت حافز قوتي!... فأنقذيني يا فتاتي، يا ابنتي، يا أختي!.. أنقذي روحي من الظلام، وعقلي من الجنون، وجسدي من سرعة التلوث والتعفن والبوار... انحني علي ولو لحظة، اشفقي علي ولو خدعة. مانيني على حي، ومانيني على أملي، ثم اهزئي بي، واضحكي مني، على شرط ألا أفهم وعلى شرط ألا أرى أو أسمع!...
هذا كل ما أطلبه إليك: كلمة وبسمة، نظرة وتحية، رقة وعذوبة، شفقة ورحمة، عطف وحنان... ولك بعد ذلك أن تسعدي. لك بعد ذلك أن
تعشقي. لك بعد ذلك أن تتزوجي... وإني لأشهد قلبي الممزق، وأملي المخيب، وحظي المنكود، أن أحب هناءك كما لو كان هنائي، وأحب زوجك كما لو كان شخصي، وأحب أولادك كما لو كانوا من فلذة كبدي وعصارة دمي!...
فامنحيني النعمة الأخيرة التي تصبو إليها نفسي. نعمة أن أراك فقط، وأحس وجودك فقط، وأعيش في ظلك فقط. ولسوف أدفن همي في صدري، وأكتم سري عن الجميع، وأستحيل أمام الناس، بملء إرادتي واختياري وملء لوعتي وعذابي، وملء نشوتي وفرحي، إلى تمثال للصمت، تغلي في صدره العواطف ولا تتحرك شفتاه بعبارة شكوى، أو شبهة زفرة، أو كلمة عتاب، أو همسة أنين!...
وإني لواثق من أني عندئذ سأعيش وأتمتع، سأعيش وأتجدد، سأهزم بقربك المرض، وأصرع بوجودك الألم، وأقهر بحبك المتسامح النقي الكريم ذل الضعف وعجز الشيخوخة وسلطان الموت.


