إنّ حديثي يتناول ناحية من حياة المرأة ، يتناول كيانها الروحي والادبي . ماذا تعمل المرأة عندنا ، في سبيل دعم هذا الكيان الروحي الادبي ؟ وبالتالي ، يصح لي ان اسأل ماذا تعمل المرأة ، في سبيل ثقافتها العامة ، هذه الثقافة التي تجعلها ، تشترك اشتراكاً فعلياً في المجهودات الروحية في العالم ، فتعيش في صميم هذا العالم الروحي العميق وليس على هوامشه .
ويصح لي ان اكون اكثر وضوحاً فاسأل اختي المرأة ماذا تقرأين ؟ ماذا تقرأين ؟
انا واثقة تماماً من ان سؤالي هذا ، قد يكون اصعب سؤال نوجهه الى سيداتنا في المجتمع ، وانا واثقة من ان المرأة عندنا ، لو جوبهت بساعة من الساعات ، بدعوتها الى استلام الاحكام في البلاد ، لما وقفت في حيرة من امرها مثلما تقف في حيرة هذا السؤال ؟ -
ماذا تقرأين ؟ يعني ما هو مدى اشتراكك في التعرف الى كنوز العقل البشري ، واكتشافات الفكر والروح في سبيل الحقيقة والخير ؟
ماذا تقرأين ؟ يعني ماذا تفعلين للخروج من نطاق نفسك الضيق ، من خمولك ومن تحجرك ، الى النطاق البشري الواسع ، حيث تصبحين عقلاً وفكراً وروحاً ، يشترك مع آلاف العقول والارواح والافكار ؟
ماذا تقرأين ؟ يعني ماذا تفعلين لبناء الناحية الروحية فيك ، وبالتالي في اسرتك ، ثم في مجتمعك ، ثم في العالم ؟؟
انا لا اوجّه هذا السؤال الى اللواتي يعشن بين المحابر والكتب والحروف والاقلام ، وما اقلّهن في هذه البلاد ، ولكنني اوجهه الى السيدات اللواتي ، نلن قسطاً ما من التعليم ، ثم وقفن في منتصف الطريق ! .
ما اقل ما نقرأ ، وما ارخص ما نقرأ . ما اقل ما نقرأ ومعظم بيوتنا خاوية من هذه الزاوية الانيقة المشرقة التي نسميها « مكتبة » .
حدثتني صديقة لي ، تعيش مع زوجها حياة عقلية روحية مشبعة بالمطالعات ، يزين بيتها مكتبة غنية نفيسة ، قالت :-
زارتني سيدة مثرية ، يرافقها طفلها ،
وما ان حوتهما الدار ، حتى راح الطفل يتنقل من زاوية الى اخرى ، يتلمس الكتب بكثير من الدهشة ، وسأل امه :-
- « لماذا يا ماما ، ليس عندنا مثل هذه الكتب الجميلة ، وبيتنا يمتاز عن هذا البيت بفخامته وغناه في الاثاث ؟ »
فتجيبه امه وهي تسكته وتدعوه الى الجلوس : -
« هؤلاء معلمون يا عزيزي ، والكتب من ضمن مهمّتهم ، اما نحن فتجّار ، ولا مصلحة لنا بالمكاتب والكتب »
سيدتي ، لا يصح ان يكون في حياتنا العقلية هذا الفرق ، فهناك فئات تعيش ، كما يجب ان تعيش ، في جو الكتاب ، وتكاد هذه الفئة تنحصر في الطبقة المتوسطة المثقفة .
وهناك فئات اخرى ، لا تعرف للكتاب وجهاً ، ومعظمها ، مع الاسف ، من الطبقة الغنية التي تعيش حياة الترف والخمول ، فتغذي جسدها بكل ما في المادة من بذخ واسراف ، وتجوّع روحها وعقلها ، فتُمسي كسيحة العقل والروح .
في بيوتنا خيرات كثيرة من الانفاقات ، سجاجيد وستائر ، ثريات وانوار ... للعين في كل ركن حديقة من جمال واناقة ، للجسد المرفّه كل شيء في بيوتنا ، كل شيء للجسد وحده ، وقلما نجد في بيوتنا هذا الركن الذي يدفئ الروح ، ويلوّن حياتنا الداخلية بالمعرفة .
ما اقل ما نقرأ ... وميزانية بيوتنا كلها تصرّف في سبيل ترفيه هذا الجسد ،


