دخل شاب دكان خبّاز ليشتري كعكة لذيذة رآها في الواجهة ولم يكن يريدها لنفسه بل لأخيه الصغير. وبينما كان ينتظر اذ بصبيّ صغير لا يتجاوز السابعة من العمر، وعلامات الحزن بادية على وجهه يطرق الباب ويدخل. فرحبت به الخبازة وقالت: «ماذا تريد يا سمير؟» فأجاب بخجل: ارسلتني امي كي اشتري رغيفاً.» فلبّت السيدة طلبه حالاً واعطته احسن رغيف عندها ثم قالت: «هل لديك ثمن الرغيف؟» فترقرقت الدموع بعينيه الكحيلتين وتمتم قائلاً: «كلا يا سيدتي لكن امي قالت أنها ستواجهك غداً. فربّتت السيدة على كتفه وطيّبت خاطره ثم انصرفت الى عملها. جرى كل ذلك على مسمع من الشاب ومرأى منه. ولمّا اجيب طلبه ادار ظهره وهمّ بالانصراف وتعجب اذ رأى الولد خلفه جامداً. كأنه يصغي لصوت ما. عندئذ نظرت الخبازة اليه ضاحكة وقالت: «ماذا تفعل هنا يا بني؟ ألم يعجبك الرغيف؟» فأجاب سمير: «بلى، بلى يا سيدتي انه جميل جداً ورائحته زكية!» - اذن اذهب حالاً الى البيت لأنك تأخرت ولا شك ان والدتك في
انتظارك! لكن صاحبنا لم يبدِ حراكاً بل بقي واقفاً مكانه. عندئذ تقدمت الخبازة وربّتت على خده قائلة: «بماذا تفكر بدلا من ان تسرع؟ هيّا... هيّا... فقال: «سيدتي ما الذي يغني هنا؟» فقالت لا أحد... فأجاب: «بلى الا تسمعين؟» فأصغت الخبازة واصغى الشاب لأنه كان منتظراً ليرى ما سيحل بسمير. اصغيا ولم يسمعا شيئاً سوى صوت الصرصر، اي الزيز. فقال الصبي: «ربما هذا عصفور صغير او صوت الارغفة وهي تخبز!» فقالت السيدة: «كلا يا ابله بل هذا غناء الزيزان. ان هذه الحشرات الصغيرة تحب منظر النار كثيراً وعندما نبدأ بالعمل تبدأ هي بالغناء.» فتبدلت ملامح الصبي الصغير واشرق وجهه بعد الحزن. ثم قال: «هل تسمحين لي بزيز واحد؟» فتعجبت الخبازة لطلب سمير وقالت: «وماذا تريد من تلك الحشرة؟ فضم يديه الصغيرتين فوق الرغيف وقال: اني اتوسل اليك ان تعطيني زيزاً واحداً، واحداً فقط لأنهم يقولون ان هذه الحشرة
الصغيرة تجلب السعادة لاهل البيت الذي تسكنه واذا اخذتها الى البيت ربما... ربما تكفّ امي عن البكاء فيدخل السرور الى قلبها. عندئذ نظر الشاب الى الخبازة، وكانت امرأة طيبة القلب، نظر اليها فرآها تمسح دموعها بطرف مريولها. فسأل سمير: «وما سبب بكاء امك المسكينة؟» فتنهد الصبي تنهداً عميقاً ثم قال: آه يا سيدي انها تبكي لكثرة الديون فان والدي توفي تاركاً وراءه عائلة كبيرة وامي تشتغل وتشتغل لكنها لا تقدر ان تسددها كلها. عندئذ احتضن الشاب سميراً وقبّله قبلة طويلة ثم اعطاه الكعكة. قائلاً: «خذ فانها لك.» لكن سميراً لم يأكل الكعكة بل ابقاها كي يتقاسمها مع والدته واخوته. وفي تلك الاثناء تركتهما الخبازة كي تحضر الزيزان. فذهبت الى زوجها وطلبت منه ان يلتقط لها اربعة منها. ووضعتها بعلبة بعد ان جعلت في غطائها ثقوباً كي يدخل اليها الهواء. وكان الولد ينتظر رجوعها بفارغ الصبر. ولما عادت اخذ منها العلبة وشكرها وشكر الشاب ثم انصرف فرحاً وطرباً.

