«يكلل عبدالله «عزيز» على عبدة الله
«جميلة» باسم الآب والابن والروح
القدس!»
لما فاه الخوري بولس بهذه الكلمات
مساء العاشر من ايار سنة ١٩٠٠ في قاعة
فسيحة، غنية بالرياش والزخرفة، من
دار ابي عزيز الكرباج، هبطت على مئات
من المدعوين الى العرس سكينة خرساء
تجللها هيبة سماوية. فالاطفال والاحداث
والعذارى والفتيان، والكهول والشيوخ،
كلهم حبسوا انفاسهم كأنهم يصغون الى
رفرفة اجنحة خفية. والخوري بولس
نفسه، الذي ربط في حياته بوثاق الزيجة
نحو الالف من ابناء قطيعه المحفوظ من
الرب، لفظ هذه الكلمات، تلك الليلة،
بصوت غير صوته العادي حتى خيل
لسامعيه ان الروح القدس كان يتكلم
بلسانه. ربما كان ذاك لان الخوري
بولس في كل حياته الطويلة التي قضاها
خادما للرب ادرك لاول مرة اهمية كلماته،
وتنورت روحه فرأى الزيجة سراً
مقدساً الهياً لا كطقس كنائسي بسيط،
او ربما كان ان الخوري، من يوم اقبل
شرف الكهنوت حتى تلك الدقيقة، لم
يرفع يده ليبارك رباط عروسين كعزيز
الكرباج وجميلة البشتاوي، لكن الحضور
شعروا فجأة انهم في حضرة قوة علوية،
وتحولت القاعة في اعينهم، مع كل ما
فيها من انوار الشموع الملتوية، الراقصة،
المنتصبة نحو العلاء، الى هيكل طاهر
يتم فيه سر مقدس عميق. لذاك توشحوا
بالسكوت والورع.
لا شك في ان منظر العروسين كان
مما زاد المشهد هيبة وجلالاً. فعزيز
الكرباج، وحيد ابيه وامه، كان اجمل
شاب في كل البلدة وجوارها، بل في كل
لبنان اذا صدقنا ما قاله عنه الكثيرون
ان «الله خلقه ورفع يده». طويل
القامة، ممتلئ الجسم، ابيض البشرة،
مستدير الوجه، يسقي بياضه دم الشباب.
في عينيه تضحك الحياة، وفي شاربيه
الصغيرين تتجلى قوة الاعتماد على النفس

٤٠