ولذة التجدد كأنها في مهرجان عظيم، وجميلة كانت في بيتها الجديد - بين حميها ابي عزيز وحماتها ام عزيز وشريك حياتها عزيز - محور حياتهم اليومية، حولها تدور افكارهم وبها تناط آمالهم، لاجلها يتعبون ولاجلها يعيشون، اذا ضحكت ضحكوا، واذا عبست عبسوا كأنها ينبوع حياتهم ومصدر كل افراحهم واتراحهم.
لما انتهت مدة التهاني بعد العرس اقترحت ام عزيز على ابنها ان يأخذ زوجته الى بيروت او الشام «تغييراً للهواء». فصادف هذا الاقتراح استحسان الجميع، وزار الزوجان الشام وزحلة وبيروت. ولما رجعا هرعت ام عزيز الى جميلة تعانقها وتقبلها وتضمها الى صدرها صارخة بلهفة: «حبيبتي، اطلت الغيبة! حبيبتي، احترق قلبي بلاك!» ثم القت نظرة على يدي كنتها فرأت بعض خواتم جديدة على اصابعها، وسوارات ذهبية على معصميها، وساعة جديدة معلقة بسلسلة ثمينة على صدرها، فكادت تطير فرحاً.
اما عزيز فكان حبه لزوجته في خلال الاشهر الاولى يتجدد كل يوم. فكل يوم كان عنده عرساً. عندما يذهب صباحاً الى مخزنه يتزود قبلة منها. واذ يعود عند المساء يجدها بانتظاره في الباب فيأخذها بين ذراعيه ويضمها الى صدره منحنياً فوق وجهها، ثم يسألها مقبلاً شفتيها الوردتين: «كيف حال قرقورتي اليوم؟» فتجيبه والسعادة تضيء في عينيها منعكسة في كل عضلة من عضلات وجهها: «كيف حال قرقوري اليوم؟»
«القرقورة» و«القرقور» اصبحا في قاموس حياتها اليومية اسمي علم حلّا محل «جميلة» و«عزيز». وأحبت جميلة اسمها الجديد حتى كادت تنسى اسمها الاصلي. وكذلك عزيز. وكلاهما كان يكره الزائرين ليس لسبب مادي او
تقاعداً عن القيام بواجبات الضيافة السورية، بل لان الزائرين كانوا يأخذون قسماً من وقتها الثمين الذي كانا يرغبان ان يصرفاه معاً. وبالاخص لانها في حضرة الغرباء كانا يضطران ان يرجعا الى «عزيز» و«جميلة» بدلاً من القرقور والقرقورة.
جميلة كانت تكره الزائرين لسبب آخر لم تطلع زوجها عليه. وذاك لأن كل زائر كان بعد من واجبات اللياقة واللطف ان يقول لها كلما قدمت له لفافة من التبغ او فنجاناً من القهوة او نارجيلة او نحو ذلك: «ان شاء الله نفرح لك
بعريس!» فكانت هذه الطلبات والتمنيات الدائمة كقطرات سم في كأس سعادتها الطافحة. حب عزيز وقرب عزيز وقبلات عزيز هذه هي سعادتها وكمال حياتها، فلماذا كل هذه التمنيات كأن حياتها ليست كاملة بدون «عريس»؟
مرة، بعد ما انصرف الضيوف واختلت مع عزيز في مخدعها، تقدمت اليه بلطف واخذت طرف شاربه الايسر بيدها اليمنى لتقبله، ثم قالت:
- اسمع يا قرقور! ألا تضجر من كثرة تمنيات هؤلاء الناس البلداء «من فرحة عريس!» يرمونك بها اينما صادفوك

