
وفي كل الاحوال ، ومهما كان موضوع الحديث ؟ قد بدأت انفر منها حتى صرت اكره معاشرة الناس لاجلها !
طرحت هذا السؤال على زوجها وهي متأكدة انه سيجيبها بانه يكره تلك التمنيات مثلها او اكثر ، وانه يتحملها لان لا سلطة له فوق الغير ليلجم ألسنتهم . وشد ما كان عجبها لما سمعت جوابه :
— هل نشتم الناس يا « قرقورة » اذا كانوا يتمنون لنا السعادة ؟
ان هذا الجواب اكد لجميلة ان متابعة الحديث في هذا الباب ربما كشفت لها السر عن اول تناقض في الافكار والاعتقادات بينها وبين عزيز . وهي كانت تثق بكل وجودها ، حتى تلك الدقيقة ،
ان حياتها مع عزيز ستدوم ، كما كانت الى تلك الليلة ، ربيعاً دائماً لا يعكرها اقل اختلاف في الميول والاذواق والاراء والاعتقادات . لذلك كانت تخاف ان تجد ولو نقطة صغيرة لا يتفق فيها ذوقها مع ذوق زوجها .
لما هَمّ عزيز ان يشتري لها حلاها في بيروت تمنعت كل التمنع لانها — كما قالت حينئذ — لم تشأ ان تكون « حمارة مشنشلة بالذهب » ، ولانها تعد التحلي بالذهب والماس عاراً على امرأة لها من جمالها وطباعها وحب زوجها ما يكفيها حلية مدى حياتها . لكن عزيزاً اصر على عزمه واسكتها بقوله ان حجتها هي « حجة الفقراء » ، وان الافضل ان
تلبس لكل حالة لبوسها ، وان مقامها في الهيئة الاجتماعية يحتم عليها ان تلبس حلى ذهبية وماسية . فاذعنت لارادته لا لأنها اقتنعت بقوة برهانه ، بل لانها قررت في عقلها ان سعادة الزوجين تطلب اتفاقاً تاماً في الاذواق ، ولاجل تلك السعادة اخضعت ذوقها لذوق زوجها . ولذلك خشيت من متابعة الحديث خوفاً من ان تصل الى حيث لا تشتهي . ولكن طبيعتها النسائية ، تلك الطبيعة نفسها التي حملت جدتها حواء على الاكل من الثمرة المحرمة ، دفعتها الان الى متابعة الحديث الذي فتحته وما كانت تظنه على شيء من الاهمية :
— أولسنا سعيدين بلا « عريس » ؟ وهل سعادتنا لا تكمل بغير اولاد ؟
