سوى الملاحظة والسهر على راحة كنتها. وذاك، في عرفها، ينحصر في ان لا تدع جميلة تقوم بشيء من اشغال البيت. لذلك لما تغيبت ذات يوم عن البيت نحو ساعة او ساعتين ورجعت فوجدت كنتها في ساحة الدار والمكنسة في يدها، كادت تغيب عن صوابها: «ويحي، ويحي! ليتني ما كنت! ليتني تحت التراب! أمثلك تكنس؟ يدان كيديك لا يليق بهما الا الذهب والاطالس والحرير. هاتي. هاتي. هاتي وروحي فتشي لك عن كتاب تقرئنه!»
عبثاً حاولت جميلة ان تبرهن لحماتها ان لا عيب في شغل البيت، وانها لا تتعب من التكنيس، وانها قد ضجرت من الجلوس والقراءة ولذلك تطلب حركة جسدية. تلك البراهين قد تقنع ابا عزيز، لكن ام عزيز قد شربت من ينبوع فلسفة غير تلك الفلسفة. وفلسفتها ان «بنات الاكابر» لا يجب ان يعملن عملاً على الاطلاق سوى الاكل والشرب والتأنق في اللباس. وإلا فماذا يقول عنهن العالم؟
لما رجع عزيز تلك الليلة واستقبلته جميلة حسب عادتها، هرولت نحوه امه واخذت تشكو له، بصوت ربعه مزاح وثلاثة ارباعه جد، ما رأته من «القرقورة» في ذلك النهار من محاولتها ان تنظف البيت. فوافق عزيز امه على كل ما قالته من ان الكناسة ومسح الغبار وغسل الصحون وما اشبه ليس «من خرج بنات الاوادم»، واخذ عهداً للحال على جميلة - قسراً عن ارادتها - ان لا تعود لمثل تلك الاشغال.
وفي اليوم الثاني ذهب واستأجر خادمة اجابة لالحاح امه وطبقاً لرأيه الخاص. ولكي يكون لجميلة ما تقضي به ساعات فراغها الطويلة كان يأتيها من مدة الى مدة برواية او مجلة او جريدة، وجميلة كانت تطالع كل رواية يأتيها بها زوجها.
لكنها لم تكتف بالمطالعة بل كانت تشعر ان قوى الشباب فيها تطلب شغلاً جسدياً مع الشغل العقلي، فتأسف ان ترى ذاتها محرومة من تلك اللذة ارضاء لخاطر زوجها وامه وابيه.
لكن هذا الفراغ في حياتها لم يكن ليقلق راحتها العقلية والنفسانية لولا انه اخذ يتسع مع الايام حتى لم تعد قادرة ان لا تراه، لا سيما لما بدأت تشعر ببرودة من زوجها في علاقتها معه.
مر عام وتلاه الثاني بعد زواجهما، وكل يوم جديد كان يؤكد لجميلة ان هاوية فغرت فاها بينها وبين عزيز. هو لم يزل يناديها «قرقورة» وهي لا تزال تناديه «قرقور» وتستقبله كل مساء في الباب او عند اسفل الدرج خارجاً. لكن ذاك الحنو في صوته وتلك اللهفة في عينيه تبخرا كدموع الندى عن وجنات الازهار بعد طلوع الشمس، ولم يبق من اثر لتلك الابتسامة اللطيفة، ابتسامة العاشق، على وجهه الجميل. ووجهه لم يعد كالسابق مرآة مصقولة تشف عن كل حركات روحه وقلبه، بل اصبح الآن وجه بحر رائق تمثل الحياة تحته مشاهد خفية لا تراها العين ولا تسمعها الاذن. وذاك النور الالهي في عينيه الذي كان يملأ قلبها بألذ الحان السعادة والحب قد انطفأ الآن وحل محله فكر اسود عميق، تهب منه نسمات باردة على روح جميلة التي كانت لا تزال تعشق بكل قواها.
ان هذا الانقلاب الغريب لم يأت فجأة بل بالتدريج. وجميلة بدأت تلاحظه بعد مرور السنة الاولى لاقترانها. والآن تراه يزداد يوماً عن يوم. قلبها يتوجع وهي لا تظهر الوجع على وجهها خوفا ان تتبخر من روحها آخر قطرة من السعادة التي لا تزال تطلبها نفسها وكل وجدانها. يخيل اليها احياناً ان ما طرأ على حياتهما ليس سوى غمامة مرت بسماء
سعادتهما وستنقشع عن قريب، لا سيما عندما تسأل نفسها عن اسباب التغير الذي حدث في علاقات زوجها معها فلا تجدها. وهي لا تزال تحبه كالسابق ان لم يكن اكثر. شفتاها لا تزالان تشتاقان شفته وصدرها صدره. هي لا تزال تنتظر رجوعه كل مساء بفروغ صبر، وتقف في الباب وعيناها محدقتان في جهة واحدة، الجهة التي سيأتي منها. وبالاختصار فعزيز لا يزال «قرقورها»، فماذا طرأ على عزيز؟
بقي هذا السؤال يعذب جميلة نهاراً بعد نهار وليلاً بعد ليل، الى ان سمعت مرة مصادفة هذه المحاورة الوجيزة بين حماتها وعزيز:
- يا ابني، الى متى الصبر؟ انظر الى امرأتك وديرها.
- وكيف اديرها؟ هل انا رب لأخلق اولاداً؟
- وبلاه! أهكذا يفعل الناس؟ خذها الى بيروت. خذها الى الشام، ام دعني انا اديرها. أهكذا ينقطع نسلنا ونحن مكتفو الايدي؟
- بالله، يا امي اتركيني بحالي. فما بقلبي يكفيني. اعملي ما بدا لك!..
هذا الحديث القصير بين ام عزيز وعزيز فسر لجميلة كل ما كانت تتوق نفسها المتألمة الى معرفته من زمان، ولكن معرفتها السر لم تخفف من آلامها، بل زادت قلبها انقباضاً ونفسها اوجاعاً. وما العمل؟ هي تحب عزيز ولا تتأخر لحظة ان تموت لاجله، وليس في العالم ما يشق عليها ان تضحيه لاجل ارجاع حبه اليها. لكن عزيزاً يطلب ثمن حبه ما ليس في وسعها ولا في وسع العالم كله تقدمه. فهو يطلب منها اولاداً، وما ذنبها اذا كانت عاقراً؟ هي لم تعد تبالي بالآلام النفسانية التي يسببها ادراكها ان ما كانت تخشاه قد اصبح الآن حقيقة لا
