


.. وأجمل الحب ، حب هؤلاء العظماء من الادباء والشعراء والفنانين .. ففي حبهم جموح لا يعرفه الماديون من الناس .
وفي حروفهم لهيب يحرق ، وغنّات ناعمة من الوجد ..
وأمين الريحاني أحب كذلك ، من هي التي أحبها ؟ من هي هذه التي يخاطبها في هذه الرسالة الجميلة ، بمثل هذا الحنان الدافئ الحنون ، وهذه الحرارة اللاهبة ؟
لقد فتشنا رسائل الريحاني كلها ، فلم نعثر له على رسالة غرامية غير هذه .
أتكون هذه الرسالة الوحيدة التي كتبها الامين في حياته ؟ أم ان هنالك رسائل لم تصل اليها بعد يد الناس ؟ اين تراها تكون هذه الرسائل ؟
إن الناحية العاطفية عند الريحاني تكاد تكون مجهولة تماماً فهل يقدّر لاحد أن يكشف هذه الناحية في حياة أمين .
» التحرير «
الساعة ١٢ باريس
ما اجمل ايام الحب ، يا حبيبة قلبي ، وما اقصرها ، وما احلى سكرات الحب ، يا نور حياتي ، وما ابصر صاحبها . فانه ليرى ما لا يراه الناس ، انه ليرى ما لا يراه غير الآلهة . حبذا عيون الحب انظر فيها الى كل شيء فتريني الدنيا جنة ولا جنات اصحاب النبوات . حبذا ساعة يعفو عنها الزمان فتبقى لنا ونبقى لها مدى الدهر .
ان يوم الحب في جبين الدهر لكقوس قزح في كبد السماء ، او كزهر المسيح في نخاريب الصخور بلبنان ، او كالدفلي على ضفاف الانهار او كالورد الجوري بين الادغال . وان حبك يا حبيبة قلبي ، هو قوس قزح في سمائي ، وهو العصفر في حقل نفسي ، وهو الورد بين ادغال حظي .
قبلت اليوم جسدك قبلات حب هو
من الارض - من تراب بلادي . واقبل الليلة روحك قبلات حب هو من السماء - من سماء احلامي . فما اجمل الحب وما امجده متى اشترك فيه القلب والروح والجسد . وما كان اجمل من حبنا حب ، وما كان امجد منه ، لا في الارض ولا في السماء .
التقينا كما تلتقي الامواج ، وسلّمنا كما يسلّم المؤمنون (ونحن ندين بدين الحب) وتحدثنا كما تتحدث الآلهة ، وتعانقنا كما تتعانق العرائش والاغصان ، وامتزجت انفاسنا بعضها ببعض امتزاج النور بالازهار . كنا في عالم لم يكن فيه من البشر سوانا . احبنا حب ربّين في مملكة لا حلم فيها لغير قلب واحد مركب من قلبك وقلبي . كنت في هذه المدينة العظيمة كل ما في المدينة . سرت في الاسواق وعيني لا ترى في باريسيات الجمال سواك وما سمعت اذني في موسيقى
الخيال وموسيقى المسارح ، وفي اصوات ربات السرور سوى صوت حبك . وقفت امام معاهد باريس وفي متاحفها فسمعتها كلها تقول : العقل شيدني بايدي الحب ، وزينني بايدي الحب ، وانارني بشمس الحب ، واغناني بكنوز الحب .
فما اجمل الحب وما احلاه من قلبك ومن روحك ، ما ألذه من عينك ، ومن يدك ومن فمك ومن صدرك ، ومن كل ذرة من جسمك السماوي . عدت في هذه الساعة الى غرفتي ، الغرفة التي قدسها حبنا ، فقبلت الكرسي التي كنت تجلسين فيها ، وقبلت الارض التي وطأتها حافية ، وقبلت المكان الذي ضمّخته باطيابك وبأريج نفسك . وغداً صباحاً اقبل الباب الذي كنت تطرقينه وتفتحينه بيدك الجميلة ، واهجر غرفة ملأناها حباً ونوراً وبخوراً .
باريس اكتوبر ١٩١١