هدوئي، فجريت نحو صديقتي جري السيل، واقبلت علي بدورها اقبال الآتي فادخلتني غرفة صغيرة اعدتها للزائرين ولم تلبث غير قليل حتى همت بالخروج، فعلمت انها تريد ان تبدل ثياب العمل، فاعتذرت بلطف قائلة: انه قد حان موعد قدوم زوجها وخرجت تتزين واخذت انا اجول بطرفي في جوانب المنزل، ابحث عن الدنيا فلا اجد من متاعها ما هو غير عادي. ففهمت حينئذ انها تعني بالدنيا ما تجده في منزلها من القناعة والرضى والثقة والعافية.
وعادت صديقتي بعد فترة قصيرة بابهى مظاهر الزينة واروع افانين الجمال اعتقاداً منها ان ذلك يدخل البهجة على قلب الزوج المتعب المكدود. ثم جلست إلى جانبي تحدثني عما تجده في دنياها من سعادة الحب واللهو والعمل، وانا انظر الى جمالها الوضاء، فاكبر فيه ذلك الفن الالهي الذي يشيعه في خلقه ويهيء للانسان ان يتحسسه في كل منظر وفي كل حال حتى اذا امتلأت مداركه بمباهجه حلا الصبر في صدره وساغ المر في فمه.
وادركت صديقتي اني بدأت افهم معنى الدنيا التي في منزلها فجذبتني من يدي قائلة: هيا بنا الى الحديقة نتروح نسمها العليل. نظرة خاطفة كانت كافية للدلالة
على ان تنسيق الحديقة على ذلك الشكل الهندسي البديع كان من صنع يديها. ثم رفعت اليّ بصرها وقالت بخبث: او ليست هذه جنة الدنيا؟ قلت: بلى وانك لربة الخلد فيها فابتسمت ثم قالت هلمي اطلعك على مكتبة المنزل فقد تجدين فيها بعض الكتب النفيسة. وكانت المكتبة على صغرها، اثمن ما حوته دنياها من الاشياء وكان ابرز ما فيها مجموعة دائرة المعارف المنزلية فقلت: ما يزال في مكتبتك نقص فادح في الكتب قالت: صدقت ولكني رأيت حين صرت الى دنياي هذه، ان الثقافة الحقيقية هي التي تبدأ بمعرفة ما تحتاج اليه المرأة في تربية اولادها وتدبير منزلها، فلا تهزأي بهذه الكتب على
قلتها فهي خير اداة لارشاد ربة البيت.
وارادت ان تتم كلامها لولا ان قاطعتها بعض طرقات على الباب علمت منها ان زوجها قد اقبل فخفت للقائه كالسهم المنطلق ثم اقبلا عليّ، يتأبط كل منهما ذراع الاخر كأنهما عروسان، فسلم عليّ الزوج بادب وظرف ولما استقر بنا المقام سألته أسعيد انت مع سليمى؟ فاجاب مبتسماً: «كل السعادة، فانها منذ ان اصبحت في كنفي واصبحت في رعايتها حملت الي الدنيا بما فيها من بهجة كما حمل الجن الى سليمان، عرش بلقيسه» فقلت: وما هو دستور سعادتكما لنجعله عبرة وموعظة قال: «يخفض كل منا لصاحبه جناح الذل من الرحمة ...»


