تزودي يا اخت بالعلم وتقفي به عقلك . ولن يسود خطاك الا في عالم العقل . اما عوالم الخلق الفاضلة فالتمسي لك فيها مثلا اعلى تسيرين على هداه ، واما عوالم الروح فاطلبي لك فيها ايماناً حاراً يبعث الدفء في قلبك ، ويشيع الرخاء في صدرك ، ويزودك بالابتسام امام الشدائد والخطوب .
وهناك قوة ثالثة عنيفة قاسية عاتية لا تعفي شيئاً ولا ترجو لشيء وقاراً وهي روح النقد التي تغلغلت في الاعماق وتسربت الى كل شيء حتى المقدسات . ومن المؤلم ان روح النقد السائدة في عصرنا روح تميل الى الهدم والتحطيم والهزء والسخرية اكثر مما تميل الى البناء والاصلاح والتقدير والاحترام . ان ناقدي هذا العصر يا اخت ، لا يبغون من وراء النقد ان يبصروا عيوب الحضارة القائمة لنكون اقدر على اصلاحها مما كنا من قبل . ولكنهم يتلذذون بذكر النقائص وتعديد المثالب والعيوب ليرضوا نزعة أثيمة أكّالة تنهش صدورهم متعطشة لا ترتوي ، ساخرة من ضعف الانسانية وعجزها . واحسب ان روحاً أثيمة كهذه لن يكون في مقدورها ان تقدم لنا كثيراً من الخير . فجانب الهدم هو الغاية على حين ان الاصلاح اولى ... ان ناقدي هذا العصر قد تناولوا كل آرائنا وافكارنا ومعتقداتنا فحطموها وسفهوها وسخروا منها ولم يقدموا لنا شيئاً آخر لنحله محلها . ولما كانت النفس البشرية تكره الفراغ فقد اضطررنا والحالة هذه ان نتهافت على اي شيء نعتقده ونؤمن به ونصدقه . وكم من مرة يا اخت ذقنا مرارة الخيبة والفشل حينما تعرض لنا النقاد من جديد فسخروا من هذه الاشياء التي رضنا انفسنا على الاعتقاد بها ! فكأنما هم أبالسة تعاهدوا فيما بينهم على ألا نعتقد شيئاً ولا نؤمن بشيء . فحذار يا اخت من الابالسة والزبانية ، صادقيهم بحرص وحذر ، وعاشريهم على
دخل ، ولا تسمحي لهم ان يتطرقوا الى آرائك في الحياة الا بمقدار ؛ أو ان يتوغلوا في افكارك الا بحساب . النقد مفيد يا اخت ولكن على شريطة ان تكون غايته الاصلاح وباعثه الروح الطيبة والرغبة في المعاونة . فان ظفرت بأمثال هؤلاء النقاد - وهم قلة نادرة - فتمسّكي بهم ، واستمعي اليهم واعملي بنصحهم . هل أدلّك عليهم ؟ انهم الانبياء فاقرأي ما خلّف الانبياء !
قوى ثلاث تعمل في عصرنا هذا ، ولا ندري مدى ما يمكن ان نفعله به ، ولكني أرى لزاماً عليّ يا اخت ، ان احذرك فأنت قد دعيت اليوم لتؤدي دورك على
مسرح الشرق الناهض بكل قواك العقلية والخلقية والروحية . واذكري ان الدور الذي تلعبه القيم الخلقية والرؤى الروحية في حياة الامم اعظم بكثير جداً من الدور الذي يؤديه العلم . أرأيت الى الغرب حين عمر عقله وخويت روحه وافلست اخلاقه كيف كان مصيره - والى أي مصير جرّ وراءه العالم بأسره . سيري في اكناف الارض وبعقل مليء بنور العلم لا بناره بنظرة صافية ناظرة الى هدفها تعرف ما تريد وما لا تريد وبخلق قويم سام راسخ لا يتزعزع وبروح مشتعلة بحرارة الايمان .
- العراق -

