ان عهد العراك بين الانسان والسل عريق في القدمية ، ولا تزال الحرب بينها سجالاً ضروساً ، على اننا نأمل مخالفة النصر النهائي للانسان بل نكاد نثق من انه سيخرج من المعركة مظفراً خفاق اللواء ...
لقد كان الجهاد ، ولا يزال ، بينها عنيفاً مرهقاً بيد انه لم يتخذ شكلاً علمياً منظماً مجدياً الا بعد ان اكتشف العلامة الالماني جرثومة السل سنة الف وثماني مائة واثنين وثمانين . اجل منذ ذلك الحين - منذ ذلك الاكتشاف البعيد الاثر في حقل الطب والعلم ، بدأت المقاومة الجدية ضد السل وبوشر باعداد الحملات الشعواء لقطع دابره واستئصاله من العائلة البشرية ..
وان يكن الطب لم يبلغ حتى الآن الى هدفه بالرغم من الابحاث الجبارة التي تجري بغير انقطاع ، فذلك لان هذا العدو الرهيب ، القوي الشكيمة ، الصعب المراس ، قد اندس في مختلف صفوفنا وتسرب الى صميم مجتمعنا فاصبح التغلب عليه - والحالة هذه - لا يتم على يد فئة معينة من فئات الامة بل يقتضي التعاون الوثيق المشترك بين جميع الفئات ويستلزم تضافر القوى المختلفة في الهيئة الاجتماعية . ومهما يكن من امر ، فالدلائل على الفوز - على تفاقم الصعاب ووعرة المسالك - حقيقة راهنة حرية بتشجيعنا وشحذ عزائمنا .
ولقد اصاب من دعا السل بالطاعون الابيض قبل اكتشاف جرثومته وتفهم غوامضه ، اذ انه كان يأتي بهيئات مخيفة فيحتاج الالوف منزلاً الرعب في القلوب مقوّضاً صرح المدنيات .
وما كنا - في عصرنا الحاضر - لنشاهد بوادر الظفر في مناضلتنا هذا الداء الفتاك لو لم يرتفع - بفاعليته مدينتنا الحديثة - معدل التغذية ويتحسن مستوى المعيشة ويصبح الاهتمام في الامور الصحية - العامة والخاصة - ركناً من اركان المدنية والرقي الاجتماعي .
ولقد اتضح من الاحصاءات العلمية الدقيقة التي اجريت في عدة بلدان كالولايات المتحدة وغيرها ان معدل الوفيات بالسل قد تناقص منذ سنة الف وتسع مائة الى سنة الف وتسع مائة واربعين اي في خلال اربعين سنة ما يقارب الخمس والسبعين في المائة .
والجدير بالذكر ان مقاومة السل والتعمق في درس مشاكله كان الباعث الاول على التعاون بين العامة والطب في حقل الصحة العامة . وانما لأول فرصة يبرهن فيها العلم ان باستطاعته التغلب على الامراض ليس بالتلقيح والاستفراد فحسب بل ايضاً عن طريق التنوير الشامل بنشر المعرفة بين طبقات الشعب المختلفة . وبقدر ازدياد تعميم العلم وتعزيز الثقافة بقدر ما تكون فوائد الطب اجدى ونتائجه
وما لا شك فيه ان العمل ضد مرض ما ، يؤدي - احياناً - الى اكتشاف امراض اخرى مما يثير فينا الحماس والنشاط ويشعرنا بنشوة المجاهد المخلص تكمل مساعيه بالظفر . كذلك الوسائل الصحية التي نتذرع بها لاستئصال مرض ما او لوقف تفشيه وانتشاره تفسح المجال امامنا - في الوقت ذاته - للتحصن ضد امراض عدة ، فانتباهنا مثلاً لنظافة الماء والخضر والفاكهة درءاً للحميات التيفوئيدية يفيدنا ايضاً في تجنب الامراض الزحارية ومنع توليد الديدان المعوية على اختلاف انواعها وتقينا من خطر الاوبئة الفتاكة التي تنتقل الينا عن طريق الطعام والشراب كالحمى الصفراء والكوليرا وسواهما من العلل .
فالابحاث والاختبارات الطبية على اتساع دائم وتبسط مستمر ، وما الاكتشافات القيمة سوى نتيجة لتلك الابحاث والاختبارات فهذا اكتشاف اللقاح او المصل الواقي من الاصابة بامراض معينة ، قد وطد الامل بإمكانية اعداد امصال اخرى واقية من شتى الاصابات . ولقد شاهدنا التطور التقدمي العظيم الذي حدث في السنين الاخيرة فالاوبئة التي كانت في الماضي تفتك بالناس فتكاً ذريعاً ، طامسة معالم المدنيات ، مشوهة مجالي العمران والفن والرقي ، قد تضاءلت بل كادت تنقرض وتضمحل ، ويرجع الفضل في ذلك الى الجهود المتتابعة التي بذلها اساطين الطب والعلم ، مستهدفين خير الانسانية جمعاء برفع مستوى الصحة الخاصة والعامة .


