ففي أميركا مثلاً أوشك مرض الخانوق أن يغدو أثراً بعد عين، كما أن دائي التيفوئيد والملاريا قد أصبحا هناك من الأمراض النادرة. ولا يستغرب هذا من الولايات المتحدة التي امتاز شعبها باليقظة والعلم والاهتمام الصحي. وفي عصرنا الحالي نرى أن مرض السل يعد في مقدمة المشاكل الصحية الاجتماعية التي يرتجف لها قلب العالم أجمع وخصوصاً بعد هذه الحرب الطاحنة التي أدت - شأن معظم الحروب - إلى تكوين العوامل المهيّئة أسباب النمو لبذور هذا المرض.
والعالم المتمدن اليوم يحاول قصارى الجهد وضع حد لهذه الكارثة الاجتماعية فينصرف علماؤه بكليتهم لإجراء التجارب والدروس والإحصاءات الدقيقة أملاً بالتوصل إلى إدراك مسبباته إدراكاً تاماً كيما يتاح لهم مجابهته ومنع انتشاره.
قد نقرأ أو نسمع - بين الآونة والأخرى - أن علاجات ناجعة تيسّر إعدادها لشفاء هذا المرض، والحقيقة أن الطب لم يوفق حتى اليوم إلى استنباط دواء ثمين يعتمد عليه ويؤمل من ورائه البرء المنشود، وليس لدينا للانتصار على هذا الطاعون الأبيض، سوى وسيلة واحدة ألا وهي اكتشافه حال نشوئه وملاحقته بالطرق الفنية، أي المبادرة إلى التشخيص العاجل والمداواة السريعة. هذا هو السلاح العظيم والوحيد الذي يمكننا الالتجاء إليه حتى الآن وليست أهميته في أنه يحد من تقدم هذا المرض فحسب بل في كونه يبلغ إلى اقتلاعه نهائياً من الجنس البشري.
وداء السل هذا كغيره من الأوبئة، له هياجه وهدؤه، ومده وجزره، وانكماشه وانتشاره... وظاهراته هذه يتوقف مداها على نوعية الظروف التي تطرأ على المجتمع وعلى الأفراد فالحروب الطويلة التي تجر على الناس الحرمان هي - ولا جدال - من أهم الأسباب لتأصله
وهياجه، والأدلة على ذلك بيّنة، فمعضلة السل إبان الحرب الكونية الأولى وبعدها كانت من أعقد المشاكل وأمرّ الكوارث التي واجهها العالم المتمدن ففي سنة ألف وتسعمائة وسبعة عشر، أعاد قادة الجيش الأفرنسي مائة وخمسين ألف جندي، أصيبوا بالسل إلى الحياة المدنية. وكم من ألوف الأسرى الذين رجعوا إلى بلادهم مصابين بهذا الداء الوبيل، ولقد عرفت الشعوب الأوروبية كلها - المحاربة منها والحيادية - مقدار الزيادة العظيمة في
الوفيات التدرنية بعد الحرب الكونية الأولى... ولقد أعاد التاريخ نفسه في الحرب الكونية الثانية التي لا نزال نئنّ تحت أعبائها.
ففي الأمم التي اجتاحها الظلم الألماني تفشى السل بين الأهلين على أوسع نطاق وما سبب ذلك سوى الحرمان والتعب والتعاسة والتجمع في المعسكرات والسجون المفتقرة إلى الكثير من الوسائل الصحية أو بالأحرى المحرومة من جميعها.
«في العدد الآتي: موقفنا من هذا المرض»

٢٥