أصرت أم عزيز على رأيها هذه المرة وفازت. وعزيز لم يعارضها. وتمنعات جميلة لم تكن لتقف في طريقها. وهكذا أمرت كنتها يوماً من الأيام أن تعد كل لوازم السفر. وفي الغد «نزلت» معها إلى بيروت بعد أن أعلنت للجيران أنها ذاهبة «لتشمم كنتها الهواء» لأن كنتها «واولداه محصورة!»
وبعد غيبة أسبوع عادت الاثنتان من سياحتها، وعادت جميلة تراقب موت حبها التدريجي، شاعرة أنها تموت معه موتاً بطيئاً، موتاً روحياً.
إن بيروت لم تخفف آلامها الجسدية والنفسانية. ومعاملة عزيز لها كانت تزداد خشونة لا سيما بعد أن مر عام على زيارتها لبيروت. وإذا كان عزيز قبل تلك الزيارة يقبلها قبلات ناشفة ويدعوها قرقورتي ولو نادراً، فالآن لم يعد يقبلها على الإطلاق، وعاد يدعوها «جميلة»، وقلما يناديها حتى باسمها. وتعلم فجأة تدخين النارجيلة فصار عندما يعود إلى البيت يجلس مساه مع نارجيلته بدلاً من «قرقورته»، لا يحدث أحداً ولا يجسر أحد أن يحدثه إلا إذا جاء ضيوف فيقابلهم بلطفه العادي كأن لم يطرأ عليه تغيير البتة. وعند
الساعة التاسعة تقريباً يذهب إلى غرفة منامه ويقفل الباب وراءه.
أخذت جميلة تذوب كالشمعة. ولم يكن لها أحد في العالم كله تكشف أمامه روحها سوى أمها. ولكن، ماذا تفهم أمها؟ إذا حدثتها عن المأساة التي كانت تمثلها الأيام في قلبها تنتهد وتبكي ولا تفهم ماذا تقول ابنتها.
أمها كأم عزيز تنظر إلى عقر ابنتها نظرها إلى قصاص صارم من السماء، إلى فادحة عظيمة، إلى عيب كبير لا يمحى بين الناس. تنظر إلى قرينات جميلة فتراهن يغذين بأثديتهن صبياناً وبنات فتخنقها الغصة إذ تفكر أن ابنتها التي كانت «زينة» بنات البلدة، ابنتها التي تحدث الغريب والقريب بجمالها وآدابها، ابنتها التي تقاطر لطلب يدها الشبان من كل جهات لبنان، تمشي الآن ولا لبن في ثديها، ولا طفل على ذراعيها.
لذلك بدلاً من أن تجد جميلة تعزية عند أمها كانت تضطر أن تعزيها.
لم تكتف أم عزيز بسياحتها إلى بيروت، بل أجبرت كنتها، بعد مرور عام، أن ترافقها إلى الشام. وأعلنت هذه المرأة كذلك أنها ذاهبة «لتشمم كنتها الهواء» لأن كنتها «واولداه محصورة». لكن أطباء الشام وأطباء زحلة لم يفعلوا ما قصر عن فعله أطباء بيروت. حينئذ لعنت أم عزيز في قلبها الطب والأطباء وعولت أن تستعين «بالمغاربة». فصارت لا تسمع عن مغربي زار البلدة إلا دعته

