الى بيتها وشرحت له حكاية كنتها ، حتى تحول بيت الكرياج الى نزل يؤمه كل من رفع صوته في تلك البلدة ونادى : « حكيم ، طيب ، دوا للحب ، دوا للعين ! » ولم يطل ان تحققت ام عزيز ان حذافة المغاربة كذلك لم تجدها نفعاً . فما العمل ؟
بقي باب لم تطرقه ام عزيز وقد تركته آخر وسيلة تلجأ اليها اذا ضاقت بها كل الوسائل . ذاك زيارة الاديرة « عليها السلام ! » فراحت تنتقل بكنتها من دير الى دير ... وجميلة في يدها كآلة خرساء تديرها كيفما شاءت .
في بدء الامر كانت جميلة تتمنع عن هذه الزيارات ، لكنها تحققت بالامتحان ان لا نفع من تمنعها . ولذلك استسلمت لارادة حماتها وقد فقدت ارادتها تماماً مع فقد حب زوجها . فالحياة اصبحت عبثاً ثقيلاً عليها لم تكن تجد واسطة للتخلص منه .
مضى على زواجها نحو عشرة اعوام فادركت ان السعادة التي سكرت بها في الاشهر الاولى قد ذهبت ولا امل برجوعها . عزيز يكاد لا يكلمها على الاطلاق ، حتى ولا ينظر اليها . يقضي اكثر لياليه في السوق ويرجع بين المرة والاخرى احمر العينين مع ازرقاق تحتهما . تتصاعد من فمه روائح العرق والنبيذ والجعة . اسنانه اكتست بغطاء اصفر كثيف . لون وجهه انقلب من الوردي الى الرمادي . طرف شاربيه هبطا الى اسفل . لحيته لا ترى الموسى احياناً في اسبوع .
وعندما يرجع الى البيت يتحول البيت الى مقبرة لا حركة فيها ولا حياة . لا يجسر احد ان ينبس ببنت شفة . واذا حدث وقال او فعل احد ما ليس على خاطره ـ سواء كان ذاك اباه او امه ـ يبدأ بشتائم الدين وتكسير كل ما تصل اليه يده من فرش وآنية . ومرة ضرب زوجته لانها رفضت ان تذهب الى الكنيسة وتلبس كل مجوهراتها .
كانت جميلة تراقب كل ذلك وقلبها
يتفطر . وابو عزيز وام عزيز ينظران اليها كأنها سبب تعاسة وحيدها . لذاك ابغضاها . وكم سمعتها يتحدثان هكذا :
- ولدي ، تقول ام عزيز ، لقد ذاب من قهره . لا الله يطعمها ولا عزرائيل يقذفها عنه . لو ماتت لتزوج من بنت حلال سواها تأتيه بولد يعزي آخرتنا وآخرته !
فذاك الحنو الذي كانت تلاقيه جميلة من حماتها لم يبق له من اثر . اذا رأتها الآن تكنس وتغسل وتطبخ لا تصيح
كالسابق : وبلي ، وبلي ! ليتك تقبرين حماك ان شاء الله !
الخادمة التي كانت استأجرتها لخدمة جميلة عادت الى بيتها من زمان . جميلة تشتغل اليوم كثور في البيت وخارج البيت . واذا جلست لتستريح تسمع للحال صوت حماتها : رجعنا نقعد ؟ ما هذا الوقت وقت قعود !
الكل يشاركون عزيزاً في مصابه وبلواه . وقلّ من في قلبه بعض الشفقة

