

ان امكانيات الانسان في حياته تتوقف كثيراً على ما ورثه من والديه واجداده، من المواهب الجسدية والعقلية، فهو مقيد بها طيلة حياته ولكنها تتغير وتتأثر بالمحيط والتربية والعناية.
وتساعد الطفل على نموه وحركته الدائمة. فالطفل الصحيح يحب اللعب، لا يفتقر عن الرواح والمجيء. وكثيراً ما يشكو الكبار من سلوك الاولاد الصغار هذا، ويجربون ان يعلموهم الهدوء والجمود. وهذا خطأ ناتج عن جهل علم نفس الطفل، وعلم الصحة والنمو. وكل ما في وسع الكبار فعله هو ان يلاحظوا اولادهم لئلا يتبادوا بالعاب شاقة تنهكهم، او تعرضهم للخطر ...
والطفل يتعلم من تلقاء نفسه بالتكرار ان لا يتعرض لاشياء تؤذيه وان ينسحب من المواقف المزعجة، فعندما يأكل اكلاً حاراً يحترق لسانه ويبكي واذا لمس النار او شيئاً حامياً ارجع اصبعه بسرعة وبكى - فان تكرار الفعل يعلم الطفل ان لا يأكل اكلاً حاراً وان لا يلمس شيئاً حامياً. فهذه مواقف واختبارات جاء فيها القصاص طبيعياً من الشيء نفسه. اما اذا كان القصاص مصطنعاً مفروضاً من شخص مستقل عن الحادثة كالأم والمعلمة فانه لا يأتي بنفس الفائدة، لانه اذا غابت الأم او المعلمة لم يعد يجد الطفل رادعاً عن العمل. خذ مثلاً طفلاً ينتزع الازهار من المزهرة ويرميها على الارض. تراه امه فتضربه وتوبخه فيتعلم ان العمل يسبب له اذى من امه فاذا غابت امه لم يجد رادعاً عن عمل ذلك ثانية ولذلك جاء في كتاب علم النفس « Skinner & Harriman » ان القصاص الطبيعي مرغوب فيه فهو اداة فعالة في حث الطفل وتوجيهه، اما القصاص المرتجل المصطنع فلا ينفع كثيراً على الغالب. وقد يدفع الولد الى الكذب
والاحتيال واخفاء الفعل خوفاً من القصاص. فالقصاص آلة قاطعة ذات حدّين اذا استعملت دون تفكير اضرت كثيراً، ويحتاج من يستعملها الى عناية خاصة ولباقة زائدة لتأتي بالنتيجة المرغوبة.
واليكم القصة التالية: - جاء سليم ليلعب مع حنا في بيتنا فضربه حنا أثناء اللعب وعلمت بالامر فجئت وضربت حنا لا لاناقصه بل لاخمد من ثورة عاطفة سليم، الزائر الكريم الذي لا احب ان يرى حقوقه في بيتنا مهضومة. اما قصاص حنا الحقيقي فكان اني لم اسمح له ان يذهب الى سليم ليلعب معه طيلة الاسبوع. فكان كلما استأذنني في الذهاب اليه قلت: «لا، انت لا تلعب مع سليم لانك لست مهذباً وتضرب رفيقك فان كنت تحب اللعب مع الاطفال فيجب عليك ان تكون لطيفاً معهم. وهكذا تعلم انه اذا ضرب سليماً، حرم لذة اللعب معه، وهو اليوم صديق حميم لسليم، لا يضرب احدهما الآخر.
اما مكافأة الاطفال فقد تكون طبيعية ناجمة عن العمل وقد تكون مصطنعة ايضاً، فاذا طلبت من ابني ان يساعدني في جلب الحطب لاشعال النار في الموقد فانه يفعله بسرور اذا وعدته بنصف ليرة وقد يفعله بسرور ايضاً اذا قلت له مثلاً «يا حنا اذا ساعدتني في جلب الحطب فاننا نشعل النار سوية ونجلس معاً ننظر اليها تضطرم. افلا تحب منظر النار الجميل؟ اما الفرق بين المكافأة الاولى والثانية فبعيد. اما المكافأة الاولى فاصطناعية تعلم الطفل ان يطلب مكافأة
كلما قام بخدمة في البيت وقد يكذب احياناً ويدعي انه قام بخدمة لينال اجرته. اما المكافأة الثانية - منظر النار الجميل - فهي ناجمة عن العمل نفسه، لا تنفصل عنه، تحث الطفل على العمل النافع ولا تتأتى عنها مضار.
ليست قيادة الطفل العاطفية باغداق النصائح بل باعطاء الاهل لاولادهم بسلوكهم، المثل الاعلى، فذلك افعل واقوى وما نفع نصح الأم لابنها ان لا يتشاجر مع رفيقه وهي تتشاجر مع جارتها او زوجها كل يوم؟
قلت في مستهل حديثي ان الشخص يرث من والديه امكانيات جسدية وعقلية، تتأثر بالمحيط، وشخصية الانسان ليست غرسة الطبيعة فحسب، اما مميزات الشخصية فلا تستقل الواحدة منها عن الاخرى في نمونا فان التفاعل الدائم بين الاوجه العقلية والجسدية والاجتماعية والعاطفية والدينية يكون كاملاً تاماً هو الشخصية. ولذلك كانت للسنين الاولى في حياة الاولاد الاهمية الكبرى في توجيه النمو وتكوين الشخصية.
كتبت أم ولد عمره خمس سنوات الى الكولونيل باركر تستفهم منه عن العمر المناسب الذي يجب ان تبدأ فيه بتربية ابنها فاجابها الكولونيل: «اسرعي الى البيت فقد فاتك خمس سنوات هي اهم سنين ابنك في توجيه حياته. وليتنا كلنا نسرع الى البيت لتوجيه اولادنا ولو فاتتنا جلسات الطاولة الخضراء وزيارات الجارات والصديقات ...