كلهم طغاة ! ولا تجعليهم يستغلونك عندما تخطئين » .
طوت الايام شبح ذلك الشيخ الوقور ، ولم أعد أراه ، الا ان كلماته ظلت ترن في نفسي .
وشاءت المقادير ان يتفق رفيقات لي على نزهة ، خارج المدينة ، للترويح عن النفس ، وكنت احداهن . ووقع الاختيار على المكان الذي كنت أجلس فيه من قبل .
وانبرت للحديث احدانا ، وكانت سريعة الخاطر ، نقادة ، في لسانها حدة لاذعة ، لا ترحم أحداً ، وفي سردها للحكاية طريقة خاصة تنم عن خفة روح . قالت بعد ما بلعت ريقها : « قيل والله اعلم ، أنه كان لي رفيقة صادقة ، وصادقة جداً ، ودليلي على ذلك انها اخبرتني يوماً ان أخاً لها كان اول من قطع المانش سباحة . » وتوقفت لحظة لتستجمع شتات ذهنها وأضافت « واتفق اني كنت احد الايام في حمام واذا برفيقتي هناك ، وأخوها ذلك البطل العالمي يمتطي ظهر اطار من المطاط بمهارة فائقة ليساعده على العوم ! فصحت به : عافاك ! عافاك ! احسنت ! سيقطع هذا الاطار المانش ايضاً ان شاء الله ! » ولما نظرت الى رفيقتي لأراها كانت قد دفنت وجهها في كفيها وذهبت مع الريح ... فسر الجميع بحديثها وقهقهن ... أما أنا فتنحنحت وقلت « هل تعرفن ذلك الشيخ الذي يظهر عليه الوقار والذي اعتاد زيارة هذا الشاطئ من حين الى حين ؟ » فأومأن بالايجاب . قلت « لقد اسر لي بحديث مرة قال فيه « انصحك يا بنيتي بأن لا تقولي الا الكذب فهو اجدى وانفع من الصدق بكثير » .
لا تقولي الا الكذب ... ما تزال هذه الكلمات ترن في اعماق ذاتي ... قالها الشيخ مرة لي واختفى من امام عيني ، ليبقى صوته يدوي في قلبي .
انا و امي
لفتة الى الوراء ، تربي جيلاً يتلاشى مع دورة الايام ، وينقلب بمرور السنين ليبرز مكانه جيل جديد ، وهذه سنة مطردة منذ أقدم الازمنة .
بين الجماهير المحتشدة وجه ، يشرق منه نور الاخلاص والتضحية وينبعث منه العطف والحنان . هو وجه أمي ، امرأة الجيل المنصرم .
لقد كانت عصرها عصر اضطراب وانتقال من الظلمة الى النور ، والمعرفة التي توفرت لها كانت ضئيلة لا تؤهلها للدخول في الحياة الاجتماعية ، ومشاركة الرجل في اعمال البلاد لرفع مستواها . نعم عاشت في العالم وكأني بها عاشت في
عالم غريب ، بعيد عن اساليب المجتمع الحديث ، اما اليوم ، فالفتاة المطلة على الجيل الجديد، الذي نشأ بعد فترة الانتقال هذه ، تختلف اختلافاً عظيماً عن والدتها ، فهي مع بنات جنسها يشاركن في كثير من اعمال هذا العالم ، فمنهن الممرضات ، وفي حقل الحياة الاجتماعية يؤسسن الجمعيات ويلبين نداء كل ملهوف . وهناك المعاهد التي قامت في المدة الاخيرة لتهذيب النشء الجديد ، بينها المعلمة تنفق جهد العمر على كرسي التعليم تبث في نفوس تلميذاتها وتلقنهن التعاليم الصالحة .
وكما تقدمت الايام نرى الفتيات يزددن بروزاً في المساهمة في معترك الحياة . لقد ألقين وراءهن القول الموروث « يكفي الفتاة ان تعرف يسيراً من القراءة والكتابة فحسب » .

