نحو جميلة . اذا خرجت من بيتها تخرج كل ام في البلد تحمل رضيعا ، حتى اذا اقتربت من جميلة خاطبت طفلها هكذا: فؤاد ! - او بطرس او حنا - صفق لخالتك جميلة ، ابني ، صفق ! لتلحدني هاتان اليدان الحلوتان بجاه رب السماء ! .
كل ذلك لتسمع جميلة ويدمي قلبها المجروح . وجميلة كانت تسمع ساكتة وتبكي ساكتة ، وتتمرمر نفسها من الحياة والعالم ساكتة . اذا مشت تشعر كأنها تمشي فوق اشلاء آمالها التي جندلتها الايام من حولها . وان نامت تشعر بانها نائمة على انقاض سعادتها المتهدمة . ماذا بقي لها في هذه الدنيا ، ولماذا تعيش ؟
ولكن هل ذوت كل آمالها على الاطلاق ؟
اذن ، لماذا لا تزال تقول : « ربما ؟ ربما منّ الله عليّ ! .. » لو منّ الله عليها ، ترى هل تعود اليها تلك السعادة المفقودة ؟ عبثاً حاولت جميلة ان تجيب على هذه الاسئلة لانها اصبحت غريبة عن نفسها . فالظلمة التي اكتنفت روحها لم تبق لها منفذاً لدرس خفاياها واسرارها . لذلك تعذر عليها ان تعطي حساباً لنفسها عن نفسها . فوجدت الاستسلام للايام اسهل طريق تسلكه . ولذلك لم تعارض ارادة حماتها لما اعلنت لها يوماً عن عزمها ان تذهب بها لزيارة دير قديم باسم العذراء تثلج النساء بعجائبه .
من قال ان زمان العجائب قـد مر فلينهب الى بلدة « ع » من اعمال لبنان ويسأل عما جرى سنة ١٩١٠. امرأة بقيت عاقر أعشر سنوات ، لم ينفعها علم الاطباء، ولا ساعدتها عقاقير المغاربة ، ولا شفتها اديرة كثيرة . لكن السيدة - المجد لاسمها ! - سمعت صلاة ام عزيز الكرباج
الحارة.
نعم ، لم تخب طلبات ام عزيز . فقد حملت جميلة في تلك السنة . وما اسرع الانقلاب الذي حدث في البيت حالا ، بل في كل البلدة ! فعزيز عاد يناديها « فرفوري » مع ان جميلة لم تعد تحب سماع هذا الاسم الذي كان يمزق قلبها كخنجر حاد ، ولم تعد تنادي زوجها « فرفوري » .
وصار عزيز يرجع الى البيت مساء
وفي يديه وجيوبه جميع انواع المأكولات والهدايا. الخادمة كذلك رجعت الى بيت الكرباج. وام عزيز عادت تهتف كلما رأت كنتها تمسح الغبار عن كرسي او تحرك الطبيخ في قدر : « وبلي ! وبلي ! تقبري حنانك ان شاء الله ! » وعاد ملاك السلام الى بيت الكرباج. فترك عزيز السكر واكتفى بالنارجيلة فقط. وعادت الابتسامة الى وجهه ورجع نور السعادة الى عينيه. وامه تقابل تهاني اهل البلدة بقلب طافح بالفرح ، وتذكر كلاً منهم

