ان لا فضل لها في ما جرى قائلة :
- السيدة ، المجد لاسمها !
لم يلاحظ عزيز من شدة فرحه
الانقلاب العجيب الذي حدث في زوجته .
لم يلاحظ ان تلك الابتسامة الملائكية
التي كانت تتلألأ على وجهها الوردي فيما
سبق ، قد غابت الآن الى الابد تاركة مكانها
علامة سؤال مبهم . لم ير ان تلك القوة
الكهربائية التي كانت تتسرب من عينيها
الضاحكتين الى اعماق قلبه فتملأه غبطة
سماوية قد اختفت الان وراء تلك الاهداب
الطويلة التي تظهر كل دقيقة كأنها تستعد
للبكاء والندب . لم يشعر بنغمة جديدة في
صوتها ، نغمة حزن عميق لا اول له ولا
آخر . لم ير اصفرار وجهها ولا تقطب
حاجبيها الدائم الذي ينم عن اوجاعها
النفسانية . واذا رأى بعض ذلك كان
يحسبه طبيعياً في حالة الحمل .
اما جميلة فكانت كأنها انسحبت من
العالم الخارجي الى داخل نفسها كإنسحاب
البزاقة الى صدفتها . وهناك انفردت
نفسها بنفسها لاول مرة في حياتها ،
فاعتراها رعب عندما اخذت تحلل ذاتها
بذاتها ، وترفع الستار رويداً رويداً عن
اشياء داخلية كانت تشعر بها ولا تعرف
معناها . لاول مرة في حياتها سألت نفسها
ما عسى ان يعني كل هذا : صباها وشبابها
وزواجها وظمأ روحها الدائم ، وسعادة
لم تكد تلمسها حتى تقلصت من بين يديها
واختفت الى الابد ؟ وانين قلبها الذي
لا يبطل ، كأن حية تقرض اوصاله ،
وسياحاتها الى بيروت والشام وزحلة ،
وزيارة الاديرة والنذور للقديسين وتقديم
الصلوات ؟ ما عسى ان يعني كل ذلك ؟
أهذه هي الحياة ؟ وان كانت تلك هي
الحياة فما غايتها منها ؟ أأن تحمل وتلد
عريساً لترضي زوجها واهل زوجها ؟ هي
الآن حامل فلماذا لا تقنع ، ولكن
كيف حملت ؟ ..
تصل جميلة في افكارها الى هذا الحد
ثم تعود الى حيث بدأت .
كيفما انقلبت تشعر كأنها ماشية في
دائرة مسحورة من الافكار التي تتبعها
كاشباح آمال ميتة . وكم حاولت ان
تفلت من تلك الدائرة ولم تقدر . كم
حاولت ان تتخلص من نفسها وترجع
لتنغمس برأسها في بحر الحياة الواسع ،
في حب زوجها وامها وملاطفة حماتها
وحميها ، لكن بدون جدوى . قبلات
زوجها اصبحت سماً يتفشى في كل جسدها،
وملاطفة حماتها حرباً تقطع شرايين قلبها .
ادركت انها قد اصبحت كورقة قطعتها
الرياح من شجرة وحملتها الى محلات غربية
قصية . ادركت انها غربية في بيت زوجها
وبيت امها وكل بلدتها ، بل في العالم كله .
وهذه الغربة الروحية كانت تضغط على
وجدانها كل دقيقة وكل ثانية حتى سُممت
الحياة وسُمم العالم .
كان العاشر من شهر ايار سنة ١٩١١
يوماً من تلك الايام الربيعية في لبنان التي
يعرفها من عاش في الاماكن المرتفعة من
ذاك الجبل ، والتي لم يظهر الى الآن قلم
استطاع ان يفيها حقها من الوصف .