كانت الشمس تنحطر على مهلها نحو المتوسط لما عاد عزيز الكرباج من شغله الى البيت ولم يجد زوجته جالسة على الدرج حسب عادتها . سأل امه عنها فاجابت : انها ذهبت لتتنزه منذ ساعة ولم ترجع !.. ثم اضافت انها قد تكون زارت في طريقها بعض الجيران .
لم يكتف عزيز بهذا التفسير لعلمه ان زوجته في المدة الاخيرة كانت تتجنب الناس ومعاشرتهم ، كما تتجنب الافاعي والعقارب . لذاك دخل توّاً الى مخدعها ليرى اذا كانت قد لبست ثوباً من ثياب الزيارة ، فتأكد انها في ثيابها البيتية . لكنه لم يشاهد هذه المرة ما تعود انبراه في غرفتها من الترتيب والاتقان . وبينما هو يسأل نفسه اين عسى ان تكون « قرقورته » ، وقع نظره على ورقة مطوية على صفحة الرخام امام المرآة . فاخذها واذا فيها : « تجدني تحت السنديانة . - جميلة . »
قرأ عزيز تلك الكلمات وطار بسرعة البرق الى السنديانة . وهو يعرف كل غصن من تلك الشجرة ، كما يعرف اصابع يده العشر . هي السنديانة عينها التي كان يجلس تحتها مع جميلة في الايام الماضية ، ايام سكرتهما بالحب الاول وسعادة الحياة الزوجية . هي سنديانة دهرية واقفة على ظهر ربوة يجري عند قدميها نبع ماء نقي عذب . حولها كثير من الاشجار المختلفة الاعمار ، لكنها اقدم شجرة في ذلك الجوار ، بل في كل البلدة وجوارها .
وصل عزيز الى السنديانة ووقف جامداً كمن اصيب بمس لا يدري أيبكي ام يضحك .
« قرقورة ! قرقورة ! » امامه زوجته على الارض مضطجعة على جنبها الايمن وعليها ثوب العرس ، ذلك الثوب عينه الذي وقفت فيه بجانبه من مضي احدى عشرة سنة امام الخوري بولس . على

