كنت اراه كذلك في اليقظة يمتص ثديي.
واسمع دقات قلبه الصغير، وارى يديه
الصغيرتين تلعبان في الهواء. كم مرة رأيته
يدرج امامي في الدار! كم مرة سمعته
يناديني: ماما!»
«كم مرة جلست بقرب سريره الصغير
وغنيت له لينام محدقة بوجهه الملائكي
وعينيه السماويتين!.. لكنك كنت اعمى
عن كل ذلك. كيف لا تفهم اني لو
رفضت ان اضحي سعادتي، وهي حقيقة
كائنة، لاجل اولاد لا يزالون في رحم
المستقبل، اي لاجل ما ليس كائناً، لا
اكون اعبر بذلك عن بغضي للاولاد؟
ألا يقول المثل: عصفور في اليد ولا عشرة
على الشجرة؟ مع ذلك فقد سلمت نفسي
لارادتك كعبدة حرمتني لذة الشغل في
البيت خوفاً من كلام الناس، فرضيت.
كرهتني لانني لم الد لك عرباً، فحملت
نفسي فوق طاقتها من زيارة الاطباء
والقديسين والاديرة. انت لا تدري كم
ذرفت من الدموع في خلواتي وابان
سياحاتي! انت لا تدري كيف كان
يقطر قلبي دماً لما كنت اراك تهرب مني
وقبل نظرك عني كأني هواء اصفر! امك
وابوك كانا يشتهيان ان يقذفني عزرائيل
عنك لعلك تقدر ان تأخذ لك امرأة
«ولاّدة». وها انا احذف نفسي من
حياتك. فربما وجدت احسن واخصب
مني. انا كنت متعلقة بوميض امل ضعيف،
كما يتعلق الغارق بقشة. حملت المضض
والالم والذل والاهانة وانا اقول: ربما...
عدت فولدت لك عرباً بعجيبة من
السماء. كنت اظن اني اذا حصلت على
ذلك استرجع خيال حبك السابق
وسعادتنا الاولى. وشدة رغبتي في
ارضائك واسترجاع حبك حملتني على
اقتراف ذنب لو غفرته انت لي فلا اغفره
انا لنفسي. سيفصلنا الموت عن قريب،
فلماذا اخاف ان اطلعك عليه؟
«انا احمل الآن في احشائي روحاً
صغيرة وجسماً صغيراً. انه الجنين الذي
اعاد الابتسامة الى وجهك والنور الى
عينيك. لكنه ليس من لحمك ودمك...
«ضحيت عزة نفسي وطهارة جسمي
لاحصل عليه ارضاء لخاطرك، لكنني
ادركت الآن ان ما فعلته ذنب لا يغتفر.

٤٧
