لصوص وقطاع طرق، يستعيضون بالنهب عن اجورهم البخسة، يعرفون من الدين التجاديف والاقسام. ثم يتبع الجيش المحارب جيش بذاته، طفيلي بوظيفته، فيه يجد المتقاتلون منفذاً لشهوات الوغى. رهبان ومجان وعوادون، قطعان ماشية، وخيل، وخنازير. وكان انقضاض العذراء عليهم كالصاعقة فمنعتهم من الفوه بالتجاديف ومن مرافقة المومسات. وكانت ترى راكبة جوادها بين المجان والفاجرات تطردهم بعصاها من المعسكر قائلة: «ثقوا بالله واعترفوا، والنصر حليفكم».
اهذه مثال خزي للرجال؟ ولا تصلح ان تكون قدوة للنساء؟ وهل هي الا مصلحة تقية تبث الطهارة اينما حلت ولقد اقسم القواد، وهي تستلقي على ظهرها ليلاً فيما بينهم، انه لم تخامرهم ابداً فكرة اعتداء عليها. هي الآن تنادي العدو بجرأتها الفطرية من على السلم، فوق خندق المياه الفاصل بين حامية الانكليز وجيش الهجوم. «اطيعوا الله وسلموا فوراً ونجوا بارواحكم». وناداها الانكليز «يا عاهرة، يا راعية الابقار. اذا ما وقعت بايدينا فسنبستك حرفاً». وكانوا يتحفزون كما يتحفز الحيوان قبل ان يثب. وهكذا اخذها العدو على حين غفلة. ولم تسمع جان الا صراخ «الانكليز يغدرون بنا». ماذا جرى؟ هل هزأ منها قوادها ولم يخبروها بما سيفعلون؟ ام هكذا تكون الحرب؟ ولكن تأجج نيران الوطنية لم يفسح لها مجالاً للتفكير بل صرخت وهي تبكل درعها «الى الخيل. اركبوا الخيل». ثم «اين رايتي؟» وطوت الارض وتطاير الشرر من تحت سنابك الفرس. آه من تلك الساعة البكر، التي شاهدت فيها ساحة الهيجا مضرجة بالدماء، وقد فات طور القتال الحار الفعال وتملك الفتور الجيش كأن تراكم سني الانكسار قد شنج ارادته وبات رهن الهزيمة المحتمة.
لم تعبأ بالتراجعين ولم تخش المنون بل اقتحمت الوطيس صائحة! «Hardiment ! Attaquez les anglais» وكانت صيحاتها اشبه بدق النفير تفعل فعل السحر، فحولت مجرى الحرب مداً بعد جزر، واكتسح الفرنسيون الساحة ودكوا الحصن دكاً وراية جان دارك، راية تحرير فرنسا تخفق فوق رؤوسهم. دخل الجيش اورليان ودقات اجراس الكنائس «اوصنّا» تملأ الفضاء.
جان وحدها لم تنهل ولم تفرح. جثت وصلت لأرواح القتلى واعترفت للكاهن مع ان يديها الطاهرتين لم تفارقا العلم وسيفها الرمزي لم يهدر نقطة دم واحدة.
بعد سنة من انتصار اورليان المبين شخصت جان دارك لحصار كومبيات المشؤوم الذي وقعت فيه اسيرة حرب
ثم اسيرة للكنيسة. قالت لها «الاصوات» «أقبلي مصيرك بطيبة خاطر والله يعينك» ومن وراء الستار احضر الانكليز بيار كوشون ووعدوه باسقفية بوفيه واشتروا مجلساً اكابر كياً من جامعة باريس ليقنع العالم بان اعمال جان دارك حدثت بقوة شيطانية. ومهما قيل في محاكمتها فلن يكون، غير وصمة عار في جبين العدالة. فضلاً عما لقيته في السجن من ظلم وتعذيب يفوق التصور. وزغم جسارتها وبياض صحفتها طغى قفص ديوان التفتيش الديني على مثال الوطنية والحرية المجنحة، فسيقت الى ركيزة الحرق كتب فوقها «مدعية، كافرة، خائنة، هرطوقية».
ماتت جان المرأة ولكن جان الاسطورة، جان الظافرة بقيت حية في قلوب الفرنسيين كقبس من نور يبدد دياجير ظلماء العصور.

