... ترى ، لماذا يطيب لي الليلة ، ان اتحدث ، إلى هذا المذيع ، عن الناس .. والاذاعة دعتني لأتحدث إلى الناس من هذا المذيع ؟
من أين جاءتني هذه الفكرة الرائعة ؟ حقاً انها لفكرة رائعة ، ان اتحدث إلى هذا الجامد اليابس فماً لفم ، عيناً لعين ... وحدنا ... وما يعنيني ان احداً من الناس في هذا البلد يصغي الليلة إلى هذا الحديث ... لا بل يطيب لي ان تسكّر هذه الازرار السحرية كلها في الراديوات ، على صوتي ، فلا تصل نبراته إلى بيت من البيوت ... فيطلع صوتي على هواي .. في اللحن الذي يطلع في بالي والنغمة التي لا ينشئها غيري ...
فيا ايها الميكروفون ، من الليلة تنشأ بيني وبينك مودة . وانت الآن ، لي وحدي ، ما احب ان احدث احداً غيرك ، وحديثي إليك عن الناس الذين ندعى إلى هنا ، للتحدث اليهم .. فهلا وعيت ايها القلب اليابس ؟ وهلا حفظت السر ايها اللسان الطويل .
ولتبق كلمات هذه الليلة محفورة في اضلاعك ، كأنها الهمس او ما هو أدنى من الهمس في الاذن !!
اما الذين يقرع صوتي منك ، في آذانهم الآن ، فاتركهم ، بعضهم في ميسر ومتجر ، في كأس وطاس ، في شجار وفي نفار ... في ضجيج وفي عجيج ..
ارحم نفسك منهم ايها الميكروفون وارحمني ، ففي رؤوس هؤلاء عقول أشد يبوسة من حديدك ، وفي قلوبهم فراغ يدور في فراغ ، وحياتهم شر ألوان الحيوات التي دبت في الارض ... فما نفع القولة لهم ؟!
وأغبى الناس في ادباء هذا البلد ، الذين تحدثوا من هنا ويتحدثون ، انهم ظنوا مرة واحدة ، ان احداً من الناس يصغي اليهم ، وان اصواتهم طلعت من جنبات هذه
القاعة الصغيرة المقفلة على نفسها ... ومثلنا في النقاء ، هذه المحطة الكريمة ، تدعونا لان نتحدث إلى هؤلاء الناس ، عن الفن ، والذوق ، والجمال ، وعن كل شيء نافع جميل خيّر ... وتثقل كاهلها بالعطاء ، قليلاً كان ام كثيراً ، وهي في نقائها ، لو تعرف ، لأغنت نفسها عن مثل هذا ، واغنت الادباء في هذا البلد والمفكرين ، او من تظنهم في نقائها أدباء ومفكرين ، عن هذا التحقير الروحي يصيبهم من ناس هذا البلد ؟
لنفصح ايها الميكروفون ، فقد تسيء فهمي ، وفي الاساءة إلى الاديب المخلص ، اساءة للحق ، فلا تتعجل ...
في بلدي وبلدك ايها الميكروفون ، هنا في لبنان ، ادباء ، بعضهم في عالم الحروف ، في اعلى وانقى ما تعرف الحروف ، وبعضهم يجرجرون اجنحتهم في التراب جرجرة ، وان هؤلاء ، في حكم الواقع ، مدعوون شاؤوا ام ابوا ، ان يكتبوا في الصحف ، وان يذيعوا في الاذاعات . وبمسكنتهم ، حينما يكبون على الورق ، يذوبون ، ويذوبون ، يلونون الحرف من دمهم ، ليخرج إلى الناس انيقاً رشيقاً عبقاً ! بالمسكنة الأديب فينا يموت ليله على الحروف والمقاطع ويهلك القلب في اللفظة والفكرة والقافية ... ويعطيها عطاء الخيّرين ، فلا يقرأها في الناس غير الصحيفة ، الصحيفة وحدها تقرأ في هذا البلد ، والمذيع وحده يسمع في هذا البلد ... والأديب وحده يموت حرماناً في هذا البلد ... من
في ادباء العالم يموت حرماناً غير أديب هذا البلد ...
وما يشكو اديب في هذا البلد ، حرمان القلة والفاقة في المال ، فالمال للاديب تراب تراب ، ذهبه تراب ، وما اذل أحد في الارض سلطان المال ، مثلما أذله الادباء .. غبار نقضوه كلهم عن ارجلهم .. ومالوا عنه ميلة الاعفاء .
وانما حرمان في الروح ، يشكو منه ادباء هذا البلد ، قلة في الاخذ منهم ، هم يعطون ، والعطاء عندهم حياة ، فان لم يعطوا ماتت ارواحهم ، كالشجرة التي لا تعطي تموت ، وكالنبع الذي لا يعطي يجف ... ولكن ناس هذا البلد وحدهم لا يأخذون . وهذا شر ما في البخل من حماقة ، يعطيك الكريم ، من آخر عرق


