«كلارا فايغ» روائية المانية نابغة، وقد احبت هذه الادبية، في صباها، فتى لم يفهم معاني روحها السامية، فكان حبه لها تقريباً وشهوة في الجسد، حادة. ولما ان لا تجد فيه، وهو النقي الذي تحبه، هذا السمو الروحي، فكتبت اليه هذه الرسالة الرائعة، وتجلت في هذه الرسالة شخصية الفتاة العفيفة، التي تحرص على كرامتها وشرفها، واثر في الفتى هذا العفاف المتناهي، فقدر شخصيتها، وآمن بها، الى ان اقترن بها ..
لقد احببتك حباً يفوق تصور البشر، احببتك بكل طهارة نفسي وكل براءة قلبي، وكل نضارة روحي، وكل احلام النبل والكرامة والعزة والسمو التي تزخر بها اخيلة العذارى في اول عهدهن بالعاطفة واول عهدهن بالحياة !
لم انظر اليك كإنسان، بل نظرت اليك كنصف اله.
وهكذا عشقت فيك مثلاً اعلى كنت لا انفك انشده تسامياً بنفسي وتحرراً من بعض الغرائز الوضيعة في، ورغبة في امتلاك ضرب من السمو النفساني انبه به على الفتيات اتراني ممن لا يطلبن في الحياة غير المال ولا ينشدن اكثر من المتعة واللذة.
لهذا السبب حرمتك مني، وباعدت بين رغباتك المادية وبيني، ولم أشأ ان امنحك قبلة واحدة، تشوه علاقتنا في نظري، وتجعل منا حبيبين كسائر الناس.
أجل، اردت ان ارتفع بحبنا عن كل شبهة جسدية، وكل غرض مادي، وكل لذة بهيمية مهما ضؤلت، ومهما اعتبرها الآخرون بريئة وساذجة وتافهة.
اردت ان احتفظ بنفسي الى ما بعد
زواجنا، نقية من كل شائبة، طاهرة من كل رجس، خليقة باحترامك وتقديرك وحبك.
ان فرائصي لترتعد لمجرد تصوري ما حدث امس ! لقد اقتحمت بيتي دون استئذان مني، ثم واجهتني برغبتك الدنيئة المنكرة، وقلت لي وبصرك الزائغ يلمع: اذا كنت حقاً تحبينني فأعطيني البرهان !
نعم، هدمت املي فيك، ووضعتني بين امرين لا ثالث لهما : اما ان امنحك نفسي وانا عذراء برهاناً على حبي لك، واما ان استمسك بكرامتي وشرفي ومثلي الاعلى فأفقدك الى الابد.
ولما بكيت وتوسلت، والتمست اليك ان تتريث حتى نتزوج، ثارت ثائرتك وقلت ان والدك الشيخ الثري يأبى ان يزوجك من فتاة فقيرة مثلي، وان ليس في مقدورك ان تظل عفيفاً في علاقتك لي، وان تصبر حتى يتوفى الله والدك، فتصبح حراً وتتزوجني !
هذا ما قلت، هذا ما سمعته منك بالحرف، فاستشاط غضبي وجن جنوني، ولم استطع الا ان اطردك وانا اجأر وابكي.
ولقد ذهبت ناقماً علي، يأكل صدرك الحقد والبغض كأنك لم تعرفني ابداً، وكأني لم اكن في نظرك، وفي حواسك، وتجاه بدنك اكثر من انثى تشتهيها وتطمع في امتلاكها لحظة ثم تنبذها.
ومع ذلك فقد عفوت عنك، واعتقدت ان هذا التصرف الطائش الاحمق كان نزوة منك ولكنك عدت الي صباح اليوم اشد جنوناً مما كنت، تلج في الطلب، وتنشد نفس البرهان ... البرهان ؟!
برهان الحب ! هذا كل ما يحتل خيالك، ويثير اعصابك، ويلهب فيك غرائز القسوة والعطش والتحدي، ولكن لماذا تطلب البرهان في الجسد ولا تطلبه في الروح ؟ لماذا تطلبه في العار ولا تطلبه في الشرف ؟ لماذا تطلبه في اذلالي ولا تطلبه في مساعدتي على الاحتفاظ بكرامتي ؟
لقد ودعت الحياة في سبيلك، وانكرت المرح والشباب مرضاة لك وجعلت من بيتي ديراً حجبت نفسي فيه، خشية ان يتصل بي انسان فتدب الغيرة في فؤادك.
انت تطلب برهاناً مادياً على حبي لك، وانا متأهبة لاعطائك اياه ولكن بعد الزواج، على شرط ان تعطيني انت منذ الان بصبرك واخلاصك وعفافك، برهاناً عاطفياً مثالياً على انك تحبني لنفسي لا لجسمي، ولروحي لا لهذا الاناء الجثماني الحقير الذي لا بد ان يذهب يوماً طعمة للتراب ! واعلم اني فتاة فقيرة مسكينة لا تملك من متاع هذه الدنيا غير عفافها، فان لم يصن هذا العفاف الرجل الذي تحبه وتثق به، فمن ذا الذي يمكنه ان يصونه ؟!
لا تقتل حبك ! لا تطلب على الحب برهاناً غير الوفاء في ظل الشرف والا فستبغض هذا الحب انت نفسك، وستبغض المرأة التي طاوعتك على العبث به، فتصرف عنها، وتنبذها، ولا تفكر ابداً في ان تجعل منها زوجتك !

