وقد تبدل عزها ذلاً ، وعلوها سفلاً ، وما بلغت محنتها منك ضائر القلوب ، لتغضب لظلامتها ، غضبة مضرية تتزلزل لها الجبال الشم ، ينتهك لها حجاب الشمس او تقطر دماً !
فلئن اعرضتِ - ايتها الشعوب - عن هاتيك الصيحات والعبر ، فليبلغنك صوت التاريخ - والعدو على الابواب - ومراميه تتجاوز حدود فلسطين ، لبردى والارز والفراتين والنيل ؛ ذاك صوت خطيب اليونان - ديموستين - يرتفع ثانية من وراء الاجيال ، يقرع السمع من جديد في بلاغ فاصل ، لكأن اثينا امس ، دنيا العرب اليوم ، لكأن فيليب امس ، اسرائيل اليوم ؟!
ألا فانفضوا - ايها الاثينيون - قبل فوات الوقت ، اهتبلوا الفرص ، ولتنفضوا عنكم غبار الخول فقد آن لكم ان تستيقظوا ، وتعرضوا عن المشاحنات ، والجدل العقيم ، وصغائر الامور ، وتستعدوا للكفاح ، برغبة مستميتة صادقة ، وتخوضوا بأنفسكم المعامع !
ولتعلموا ، ان النصر الذي دان للفاتح الغاصب فيليب ، لن يكفيه ويثنيه . كل يوم دائرة مطامحه تتسع ، وفي الوقت الذي نجلس فيه مكتوفي الايدي مطمئنين ، ينسج حولنا شباكه ويكيد كيده .. ألا هبّوا لأداء واجبكم العظيم .. وماذا تنتظرون بعد ؟! من يصب عليكم العذاب والاضطهاد ؟! لكأن العار الذي حل بنا اليوم ، لم يكن اعظم مذلة يمنى بها الانسان الحر ! ماذا ؟ تظنون قابعين في عقر داركم ولا هم لكم الا استطلاع الانباء ولا تثيركم الخطوب الجسام ؟!
الاثينيون يستعبدون ، واليونان تحتكر ويستباح حماها من قبل رجل مقدوني ؟! أليست هذه انباء كافية لتهزكم ؟! وماذا يفيدكم اذا كان حياً او ميتاً ، انكم لتخلقون - باخذالكم وضعفكم - عدواً لكم غيره !
ايها الاثينيون هبّوا : لقد ساق لكم عدوكم - حتى الآن - شتى ألوان المذلة والهوان ، وها هوذا يدير الخطط لقهركم ، وقد اعلن : انه سيمسك زمام المبادرة ، ويخوض المعارك ولا ينتظر الاحداث حتى تقع ، سيحكم فيكم ضرباته فهلا اتقيتموها قبل فوات الوقت ؟! ألا قاتلوه حيثما كان ، والا استطالت عليكم ايديه من جديد ، واجهوا خصمكم بشجاعة ، وإلا فانسحبوا بكرامة صاغرين ..
وبعد : ذاك خطيب اليونان بالامس المبين ، فاين أين خطباء العربية البلغاء ينسجون لها من تاريخها وحياً ، من ايمانها قمة والتاريخ والايمان هما الحضارة كلها ؟ اين صيحاتهم توقظ الغافين ، والخطابة انفذ اثراً في النفوس من الصحف والكتب ، وابلغ ؟!
أين ادباؤها ، والقوى الادبية هي المحركة للعالم ، ليحملوا لها المشعل وينيروا السبيل ؟ أين شعراؤها لينظموا لها نشيد الخلاص ، نشيداً واحداً له قوة الالحان الحربية في ساحات القتال ، وهذا نابليون يكتب لرئيس اركان حربه من الميدان : « اذا لم تستطع إمدادي بسفن حربية وذخائر وعناد ، فلترسل لي عشرة الاف
( البقية على الصفحة ٤٩ )
شعار الادباء
يتدفأ برنارد شو على موقد نقش عليه هذه الكلمة :

كان امين الريحاني يتخذ في حياته شعاراً دائماً :

كان الشاعر بيرون يضع فوق سريره هذه الآية :

كان القصصي الانكليزي جون جولزورثي يثبت على مكتبه هذه الجملة :

