فكنا نحتج غاضبات ونحاول المجادلة . اما هي فتجلس الى البيانو وتبدأ بالعزف وهي تقول : « هذه لغتي اني اكرم الكلام » . ثم توالي العزف ساعات طويلة دون ملل وكأنها تنسى نفسها حين تفعل ذلك .
وانبأتنا ذات يوم انها ستترك التعليم وتقوم برحلة طويلة برفقة دراجتها . فقد ملّت هذا المكان واخذت تشعر بأن الانحطاط والجمود يدبّان في نفسها ولا بد لها من التغيير .
« يجب ان اجدد نفسي كما اجدد اجزاء « ليلى » بين حين وآخر ، كل شيء لا يتجدد يموت » .
وسألناها : هل لديك مال كاف لرحلتك الطويلة ؟
ـ نحو الف ليرة لبنانية .
وشهقنا متعجبات : وبهذا تطمعين في السياحة حول العالم ؟
فتجيب : ان ملابسي متينة جداً وكذلك الدراجة . أستطيع ان اعيش عيشة كشفية واذا ضاق بي الحال ادرس بعض اللغات او اعمل في مصنع .
ـ والموسيقى ؟
ـ الموسيقى لنفسي ، لا إحب تدريسها .
ـ ألا تخافين التنقل وحدك وبدون مال ؟
فتقهقه ضاحكة : « ذلك أخفّ حملاً واكثر إراحة للبال لاني حينئذ لا اخشى اللصوص ! »
ثم تردف قائلة : الحياة حرية ومغامرة . وفي غير هذا لا قيمة لها .
ذهبت « سو » ولم نعد نسمع عنها شيئاً . سوى انها كانت ترسل الينا بين حين وآخر بطاقات سريعة ، بعضها من الهند وبعضها من ايطاليا . وكنا قليلاً ما نتحدث عنها لكن صوت ضحكها واقوالها العميقة الغريبة ظل يتردد في اذهاننا كصدى طويل .
وتفرقنا نحن كذلك . ذهبت كل في سبيلها ، لان عهد الدراسة لا يدوم طويلاً . وقلّت اجتماعاتنا بعد ذلك . ولكن ما كنا نلتقي مرة حتى تندفع كل منا الى بث شكواها من الصدمة التي اعترتها حين انتقلت من حياة الخيال الى حياة الواقع .
لقد كنا نفهم محيطنا من خلال الكتب فاذا البون شاسع بين
احلامنا وبين الحقيقة العارية التي واجهناها . وبعد ان كنا في المدرسة نتبادل الآراء عن روسو ونيتشه وشلي اخذنا نتبادل مثل هذه الأقوال :
ـ ألا يؤلمك هذا الحال ؟ اننا نتخبط في ديجور من الخرافات والاوهام .
ـ لم اعثر بعد على انسان لا يكذب او يبالغ بقحة وضعف ذوق .
ـ كيف نعيش مع اناس لا يفهموننا ؟ انهم لا يزالون عائشين في عهد نوح وابراهيم ويعقوب . لا فرق مطلقاً بين هؤلاء وبينهم .
ـ لا أرى حولي سوى عقول متحجرة . ونفوس جشعة لا هم لها سوى جمع المال .
وكنا نشعر بحاجة الى التلاقي لنجدد لمحات من عهد الدراسة ونتباحث في المشاكل التي تعترضنا ونتبادل النجدة والالهام حين نشعر بعزائمنا تخور وارادتنا تنحط . فقررنا ان نجتمع بصورة قانونية .
وتباحثنا يوماً في موضوع هام . قالت سعاد ـ وكانت ذات عينين خضراوين ولون جذاب يلفت النظر ، اني حائرة واريد رأيكما . أتزوج من هذا الرجل الذي ما زال يلاحقني ؟ اني لا اطيقه لكنه غني . ولا أجد غيره .
ـ ولماذا لا تطيقينه ؟
ـ لا ادري . لا أستطيع ان اتفاهم معه . لا أستطيع . ووجمت كل من الرفيقتين ثم رفعت نهى رأسها وقالت بحدة : لا يمكن هذا ! كيف تتزوج الفتاة بمن لا تحب ؟
واردفت قائلة : « لقد عرضت لي نفس المشكلة ورفضت . رفضت بتاتاً ان ارضى بزواج لا اميل اليه . لكني وقعت بما هو شر منه . اني اشتغل في وظيفة تعليمية والاقي الامرين من عنف المديرة واستبدادها وجهلها .
هناك معلمات يدارين اهواءها فتمنحهن عطفها اما انا فلا أستطيع المداهنة والتبذل . لا أستطيع ـ قالت هذا بلهجة تشبه البكاء .
فصاحت الرفيقتان : ولكن ... اتركي هذه الوظيفة !
