... الدولاب السحري، في إحدى القاعات الكبيرة في بيروت، يدور، ويدور. وفي دورانه المستمر العجيب تدور القلوب والعيون. وتلتقط الآذان كل خشة من خشاته فعلى هذا الدولاب العجيب تحوّم الحظوظ...
... وكنت ليلة ذاك، في مجلس عائلي، ولحظت في المجلس وجهين، واحداً ينمّ عن عصبية جامحة، تتجهم قسماته، ثم يحجم وجوماً مخيفاً، ويقطّب جبينه، ويشدّ على قبضته، كأن الهم يأكل نفسه... وما إن دار الدولاب دورته الأخيرة، وأعلنت حظوظ الرابحين، حتى رمى الورقة في الأرض، وغمغم بكلمات عصبية، يسبّ الحظ واليانصيب.
وفي الوجه الآخر كنت ألمح ذلك التفاؤل الراضي، وتلك الطمأنينة الهادئة، وشيئاً من اللامبالاة، كأن الحظ طوع
يده، إن يفلت هذه المرة من يده، فلن يفلت في المرات الآتية. إن الحظ عبده، سيضع يده عليه في ساعة من الساعات...
ورافق إعلان النتائج الأخيرة، وقد كانت ورقته خاسرة كزميلة، دعابة وتنكيت، فلم ينقم ولم يثر، ولكنه بكثير من الهدوء والرزانة التفت إلينا وقال: «موعدنا مع الحظ، في الشهر الآتي».
بالحق، ما أغرب بعض الناس، أو بالأحرى، ما أغرب طوالع بعض الناس! أعرف كثيراً من صحابي ومعارفي وجيراني، يعيشون الحياة في طمأنينة وهدوء، وفي استسلام عجيب، فتجيئهم حظوظهم وطوالعهم إلى بيوتهم، في أسرّتهم، في ساعة لا يقدّرونها. وبعضهم، تهرب منهم حظوظهم، وهم يسعون إليها بجهد، فيسمعون من بعيد قهقهة هذا الشيء العجيب، يضحك منهم ثم يتوارى، وتتوارى آمالهم...
فما عساه أن يكون هذا الحظ؟ وما هو؟ وأين يجتنى؟ وكيف يجيء؟ هل هو مجرد مصادفات عابرة، تجيء في الحياة على العمى، لا سلطة لنا عليها؟ لماذا يغرق بعض الناس بالنعم والخيرات إلى آذانهم فتساق إليهم من كل درب... حتى يضجروا منها، ويعاني فريق من الناس مرارة ذلك الحرمان رغم السهر والجهاد، وكأن الطوالع السيئة، تترصد له وراء كل باب...
ما أدري إن تكن ذلك مصادفات عابرة، أو قوى سحرية، تلك التي توجه حظوظنا في النواحي التي تريدها، ولكنني أعرف أن هنالك، فوق المصادفة، وفوق القوى السحرية، شيئاً عميقاً ينبثق من صميمنا نحن، لا من حولنا. من نفوسنا


