
وجه من وجوه النساء المجاهدات،
لم يعرف تاريخ المرأة، مثله في الوان
العذابات والآلام، ولم يعرف مثله في
الوان البطولة والكفاح والمجاهدة.
حكاية عظيمة، مثلها في الحكايات
العظيمة قليل، في كل حرف من حروفها
نقاط من الدم وسلخات من القلب. هي
حكاية النفس تتسامى على الجسد وحكاية
الخير يتسامى على الشر، والضعف على
القوة.
طفلة شقية في اعمق جذور الشقاء،
عمياء، بكماء، طرشاء، عينها في ظلام،
وسمعها في ظلام، ولسانها في ظلام،
تتمرد على مصيبتها الكبرى وتقهر آلامها
الدامية، وتلمّ جراحها، وتعيش للحياة،
في اروع واجمل ما فيها من جمال وروعة..
تلك هي قصة الفتاة هيلين كيلر.
«هلن كيلر» هذه، هي أشقى فتاة
يمكن أن يتصورها العقل البشري.
ولدت سنة ١٨٨٠ في اميركا،
وعاشت سنة وبعض السنة، كما يعيش
سائر الاطفال السعداء، ثم اصيبت بالحمى
وخرجت من هذا الداء، فاقدة بصرها
وسمعها وشمّها.
مصيبة فادحة نزلت بهذه الطفلة
فاقعدتها خرقة بالية في بيت ابويها...
وكان أبواها يحسان بعبء هذه المصيبة
على كاهل الفتاة الطفلة ويشعران في قرارة
ضميرهما أنهما قد ارتكبا في حقها جريمة
لا تغتفر. وكم تمنّيا لها الموت فتستريح من
عذابها، ويستريحان هما من عذاب الضمير.
ولكن الفتاة لم تمت، فان مشيئة
القدر كانت تعدّ لها صفحات سوداء كالحة.
وكأن السماء ارادت ان تنتقم انتقامها
الاخير من هذه الصغيرة العمياء الصماء،
فانتهى بها الامر الى ان تصبح بكماء،
وذلك ان الطفلة بفقدانها السمع لم تعد
تستطيع ان تتعلم الالفاظ، فانعقد لسانها.
ولكن السماء كانت تعدها لأن تكون
نموذجاً رائعاً للبطولة الرائعة، فدخلت
مدرسة العميان وهي في السابعة من عمرها،
وقد رأت معلمتها ان «هيلن» عقدة
جديدة جديرة بالاهتمام والدرس، فأكبّت
على دراستها برغبة، فعلمتها بواسطة
اللمس، لغة الصم والبكم ثم علمتها القراءة
على طريقة «براي» للعميان.
وفي العاشرة، من عمرها كانت الطفلة
تستطيع الكلام، ثم عادت اليها حاسة
الشم... اعجوبة اولى... ثم تقدمت
الفتاة للامتحان في احدى كليات اميركا
المشهورة، فنالت شهاداتها بتفوق.
اعجوبة ثانية عظيمة.
وذاعت شهرة الفتاة في انحاء اميركا،
فوضعت في سنة ١٩٠٢ كتاباً عن تاريخ
حياتها، قصّت فيه تلك المرحلة الموجعة
من حياتها. وبعد خمس سنوات وضعت

١٦
