... وهذه كلمة، تحمل عاطفة نبيلة، توجهها المربية الكبيرة الانسة حنة ابو الروس الى شقيقها الدكتور اسبريدون ابو الروس بمناسبة تقليده الوسام ...
« فصوت المرأة » اذ تسجل لها هذه الكلمة الطيبة، تتقدم من الدكتور ابو الروس باخلاص التهاني ..
كم كنت أودّ يا أخي ان اعلن كلمتي هذه في المهرجان الادبي الذي اقامه لك زملاؤك الافاضل، بمناسبة تقليدك الوسام الذي كافأتك به حكومتنا السنية. فالكلمة هي دين لك عليّ، والفرصة سانحة لا يجود الزمان بمثلها على من كانت على عتبة الفناء مثلي.
يا أخي كرّمك زملاؤك، ومدحوا ما عرفوه فيك من مزايا تمدح، ولكن جهلوا ما رأته شقيقة من مناقب، وصفات مستترة في شقيق لازمته، وراقبت جهاده عن قرب امداً مديداً.
في الامس غير البعيد، حضرت حفلة تكريمية لزميل لي في التعليم، قضى في مهنته هذه، سبعاً واربعين عاماً متمادياً فاشاد الخطباء واسهبوا في فضل المعلم، وقدروا جهوده، وأطروا تفانيه في خدمة النشء والوطن. ولكنهم (حصراً للموضوع) لم يذكروا القول المأثور: «ان العقل السليم في الجسم السليم» ومن يا ترى يحفظ سلامة الجسم ليبقى غلافاً نقياً يمد العقل بالغذاء الحيوي، ليظل نشيطاً، مفكراً، مولداً مخترعاً، سوى الطبيب المجاهد الذي قدّر المهمة العظمى، الانسانية، الملقاة على عاتقه، فوفاها حقها بوجدان حيّ، ونزاهة مثلي، وحب للخير العام.
أجل يا أخي، لقد عرفك زملاؤك الافاضل، انك انت ايضاً ذلك الطبيب المجاهد، النقي الضمير، الذي قدّر قدسية المهنة، فاغترف من معينها العذب، واختزن اسرارها في صدره الرحب،
وذهنه الوقاد، وصبره العجيب على الدرس والتنقيب، استزادة من العلم، لينشر ثمرات جهوده على كل طالب مستفيد. فخففت بذلك وطأة الالم عن المتألم خلال نصف قرن.
إي نعم يا أخي، لقد عرفك زملاؤك طبيباً ناضجاً، ذا معلومات واسعة، كدت تبلغ بها القمة، ولكنهم لم يعرفوك صبياً مجتهداً اقتحم العلم اقتحاماً، فلم تعرف عبث الصبيان، وما لهوت الا بقرطاسك وبراعك فكأنك ملك للعلم والثقافة العامة نشأ بنشوتك، وكان لك ذلك فطرة وغريزة. لم يعرفوك شاباً عصامياً، شققت طريقك بيدك بعد ان أزلت العقاب الكؤود في سبيل غايتك السامية.
لذلك نفرت من التجارة خوفاً من مزالق المادة، وأعرضت عن التوظيف كرهاً بقيود الوظيفة وعدت الى كتابك ودرسك تستعد منفرداً لامر يدغدغ احلامك الذهبية، لا تكاشف بها احداً سوائي، فكتمنا السر معاً...
ان انسى لا انسى يا أخي وأنا بقربك كيف كنت تشغل اوقاتك المزدحمة بالعمل الجدي، فمن فروضك المدرسية، الى الدروس الخاصة التي كنت تعطيها
لبعض رفقائك الطلبة، الى مطالعاتك في مكتبة المعهد العمومية حيث كنت تصرف سهراتك بين كتبها وسجلاتها تراجع وتوسّع ما سمعته من شروح الاساتذة، فاقتصدت بذلك ثمن الكتب والدفاتر، ووفرت على البيت نفقاتك المدرسية.
وانا يا أخي، مدينةٌ لك بحياتي المهنية، اذ كنت لي قدوة في الاجتهاد، فكم كنا نقضي أوقات السمر، ونطوي الليالي الطويلة نتباحث في مشكلات اللغة، وقواعدها العويصة، وكنت عندما أقف مترددة امام جملة او بيت من الشعر أشكل عليّ تفسيره، كنت تحلله لي وتوضح اسراره.
وكما اني مدينة لك بعملي فانا مدينة لك بحياتي الجسدية التي أحيا بها الآن. فكم من مرة انتزعتني من مخالب موت محتم، وخففت عني وطأة الم، بعنايتك وسهرك عليّ، وحبك الاخوي النادر.
كافأك الله عني يا أخي، وكافأني بطول عمرك، لتواصل رسالتك الطبية اليك والتي وقفت نفسك على ادائها.


