ان ادعوكم الى حفلة في هذا المساء بالبلاط الملكي .
وبرز القصر الامبراطوري بهذه المناسبة في حلة رائعة من الزينات ، وهناك غنى البلبل بصوته الرخيم الفتان ، فحرك قلب الامبراطور ، وأسال دموعه على خديه ، حتى لقد بلغ به الطرب ان أمر بتعليق حذائه الذهبي حول عنق البلبل . ولكن البلبل رفض هذا الانعام بجزيل الشكر قائلاً « لقد رأيت الدمع يظفر من عيني مولاي ، فحسبي ذلك خير انعام . »
والواقع ان زيارة البلبل للامبراطور كانت زيارة موفقة جداً ، اذ استبقاه في بلاطه وافرد له قفصاً خاصاً بعد ان اطلق له الحرية في الخروج مرتين كل نهار ومرة في الليل .
واتفق ذات يوم ان تلقى الامبراطور طرداً كبيراً كتب عليه « الى البلبل » ، فلما فض غلافه ، وجد علبة ثمينة بداخلها بلبل صناعي يشبه البلبل الحي ، مرصع بالماس والياقوت والزمرد ، وله ( زنبلك ) اذا ( أدرته ) استطاع ان يغني كالبلبل الاصلي ويحرك ذيله المتلألئ بالذهب والفضة في صعود وهبوط . وكان هذا البلبل الصناعي هدية من امبراطور اليابان .
وقالت الحاشية « والآن على البلبلين أن يغنيا معاً ، اذ لا شك اننا سنطرب جد الطرب باشتراكهما معاً في الغناء ، وانشد البلبل الصناعي نفس الالحان ثلاثاً وثلاثين مرة دون ان يتعب ، وما كان الحاضرون ليملوا من استزادته لو لم يأمر الامبراطور بأن يغني البلبل الاصلي لهم بعض الشيء . ولكن أين هو ؟ لقد اختفى ، اذ طار من النافذة دون ان يشعر به احد ، وعاد الى مقره بين اشجار الغابة .
وبعد ذلك وضع الطائر الصناعي على وسادة من الحرير قرب سرير الامبراطور . ومضى عام ألم فيه الامبراطور ورجال حاشيته وغيرهم من الصينيين بكل نغمة
من نغمات البلبل الصناعي ، فزادهم هذا تعلقاً به ، وكثيراً ما اشتركوا معه في الغناء .
وحدث ذات ليلة حينما كان البلبل الصناعي يغني بأحسن صوته ، وقد أنصت اليه الامبراطور وهو مستلق على فراشه ، ان صدر صوت طقطقة بداخل الطائر . فقد انكسر الزنبلك واستمر صوت طقطقة عجلاته في دورانها ، ومن ثم انقطعت الموسيقى ، فقفز الامبراطور من فراشه على الفور واستدعى طبيبه ، بيد ان الطبيب لم يستطع ان يفعل شيئاً ، فاستدعوا الساعاتي ، واخيراً بعد نقاش وفحص طويل ، تمكن من اصلاح زنبلك الطائر ، ولكن الحزن شمل الآن جميع افراد الامة ، نظراً لانه لم يكن مسموحاً للطائر الصناعي ان يلعب ادواره الموسيقية الا مرة واحدة في السنة . وحتى ذلك كان خطراً على آلاته الموسيقية الموجودة في جوفه .
ومرت خمس سنوات اخرى رزئت البلاد في نهايتها بمصيبة اجل واخطر ، فقد كان الصينيون يحبون امبراطورهم حباً جماً ، وها هو الان قد اصيب بمرض عضال من المنتظر ان يؤدي بحياته . ووقع الاختيار فعلاً على امبراطور جديد .
بيد ان الامبراطور لم يكن قد مات بعد ، وان كانت العلة قد استنفذت قواه الحائرة ، ورفرفت المنية بجناحيها على وجهه الشاحب وهو راقد في فراشه الوثير . وكانت احدى نوافذ حجرة نومه مفتوحة ، وتألق نور القمر على الامبراطور والبلبل الصناعي . وشعر الامبراطور المريض باختناق كاد يحبس انفاسه ، وبثقل غريب على صدره ، ففتح عينيه وهناك شاهد عزرائيل الموت جالساً امامه . فصاح قائلاً « الموسيقى ! الموسيقى ! أيها الطائر الذهبي العزيز ، اني اناشدك بحق المروءة أن تغني . »
ولكن الطائر ظل صامتاً ، اذ لم يكن
هناك من يقوم بتدوير الزنبلك ، لهذا لم يستطع العزف او الغناء .
واستمر عزرائيل يرمق الامبراطور بنظراته الباردة ، وعم الحجرة سكون خفيف . وعلى حين بغتة صدرت من النافذة المفتوحة اصوات موسيقية عذبة ، وجثم في خارجها على فرع احدى الاشجار البلبل الاصلي . وكان قد سمع بمرض الامبراطور ، فحضر اليه ليغني له مايبعث فيه روح القوة والامل . واخذ الدم يسري بسرعة متصاعدة في عروق الامبراطور ، وتدب الصحة في جسمه ، كلما استمر البلبل في الغناء ، وحتى عزرائيل نفسه لم يتمالك من الاصغاء اليه فقال « استمر في غنائك ايها البلبل الصغير . »
أجاب البلبل « اذن هل تعطيني تاج الامبراطور ؟ » فتنازل له عزرائيل عن التاج لقاء أغنية ، واستمر البلبل في الغناء وكانت اغنية عن المقابر الهادئة حيث تنمو الورود البيضاء ، ويحمل النسيم أريج أزهارها اليانعة ، وتخضب دموع اقارب الموتى واخدانهم حشائشها الجميلة . فتاقت نفس عزرائيل الى الذهاب لرؤية حديقته ، فطار من النافذة على شكل سحابة بيضاء وتوارى عن الانظار .
فقال الامبراطور « شكراً لك وألف شكر أيها الطائر الصغير . انني أعرفك حق المعرفة . فأنى لي ان اكافئك ؟ »
قال البلبل « لقد سبق ان كافأتني لانني هيهات ان انسى انني اسلت دموعك حينما غنيت لك في اول مرة . والان عليك بالنوم حتى تتقوى وتسترجع صحتك . »
وعاد البلبل الى الغناء ، فعقد الكرى أجفان الامبراطور ونام نوماً هنيئاً استيقظ منه وقد استعاد صحته ونشاطه واشرقت الشمس فغمرت حجرته بنورها .
