نحن نحب الحياة ما في ذلك من شك، فهل ترانا نستمتع بها؟ هل ترانا نبحث كنه هذا الحب المتغلغل في كياننا فنأخذه قوياً؟ نستخرج الفائدة من كل دقائقه ونتلذذ بكل متعه؟..
حب المرء للحياة حقيقة لا شك فيها، هو حب يتجلى بأعمق معانيه، عندما نوشك ان نفقد الحياة.. في تلك اللحظات تبتدي الدنيا امامنا جميلة باسمة فاتنة.. تبتدي حلوة غالية وقد تناسينا كل ما قاسيناه من غدرها وغفرنا لها كل ما حملتنا من محنها.. في تلك اللحظات تسرع دقات قلوبنا اسى على فقدانها، وندماً على اننا لم نستغلها كما يجب، ولم نستمتع بها كما يجب..
هذا الجندي الزاحف الى الموت وقد هيجت فيه الاناشيد والخطب والموسيقى روحاً من حب الوطن يخيل الينا معها ان الحياة رخصت لديه، نظرة اليه وهو يغتنم كل فرصة مهما صغرت للاستمتاع بملذاتها والاغتراف من هذه الملذات محلة كانت ام محرمة.. انه يخشى ان تكون فرصته الوحيدة، ان يفقد كل هذا الجمال غداً، وما اثمن ما يفقد!!
هذا الشيخ الفاني، ما امتع الدنيا في عينه! انه يتمسك بها كما يتمسك الغريق
بالحبل يتمنى.. وبالله كم يتمنى... ان يعود الى الوراء اعواماً.. عودوا به الى الطفولة وخذوا كل ما يملك... ولكن ما نفع التمني ان الاجل المحتوم يحل، فاذا به يغادرها وفي العين دمعة وفي القلب لوعة..
هذا المريض المدنف، قد يكون مقعداً لا سبيل الى عوده الى ميدان الجمال، ولكنه يقنع بالنافذة يطل منها على الدنيا او بالكرسي يجر عليه الى الحديقة.. قد يكون مصدوراً او مصاباً بعلة لا امل معها بالشفاء ولكن الامل يظل يراوده حتى الدقائق الاخيرة ذلك لأن الحياة تناديه وهو يصغي اليها ويشتاقها.. هذا الاعمى الذي يحيى في الظلام الدامس والذي حرم اثمن متعها انه لا ينتحر ولا يترك الحياة الا مرغماً بل انه يبتسم للدنيا...
ما قيمة الشقاء والبلايا في حياة المرء؟ لقد يتبرم من الدنيا ويسخط عليها ويلعنها، ولكنه في الواقع كذلك الحطاب البائس الذي ظل طوال حياته يكد ويكدح، يخرج مع الفجر ليحطب في حر الشمس وقر الشتاء ثم يعود مساء بالخبز لاطفاله السبعة فيطعمهم وينام كالحيوان المتعب لكي يصبح فيحطب من جديد. وفي يوم قائظ، وقف المسكين امام حمل الحطب ليمسح عرقه المتساقط كالسيل ثم هتف من اعماقه: «ما هذه الحياة الشقية يا الهي؟ لقد اضنتني يا عزرائيل تعال وارحني منها»..
وبغتة انتصب عزرائيل امامه قائلاً: «هانذا، انك دعوتني...» وهلع قلب
الرجل ونسي كل شيء الا ان الموت مقبل فتمتم موارياً مستخذياً: «لقد دعوتك يا سيدي لترفع معي حمل الحطب هذا على ظهري!» هكذا نحن نحب الحياة وهكذا كل ما تذكرنا كم مر من اعوام العمر نحاول حتى بيننا وبين انفسنا ان نقتطع بعض هذه الاعوام لان كثرتها تقربنا من النهاية البغيضة.
ان الحياة لعذبة مهما كان فيها جراح واشواك افترانا نستمتع بها في حينه؟ انشعر باننا نحيى او على الاصح نحاول ان نحيى؟؟.. انقدر قيمة الدقائق لا الساعات فنقتنص من الفائدة كل ما فيها ونجني من المتعة كل ما تحتوي؟ انوقظ في نفوسنا التلذذ بما حولنا بالمتع على كافة انواعها.
متعة القلب وفيها جمال الحب على انواعه: حب الاحباب، حب الاصدقاء، حب الاطفال، حب الضعفاء المرضى والبؤساء؟
متعة العين وفيها جمال الطبيعة على انواعه: صخورها الشاهقة، اشجارها الباسقة، ازاهيرها العطرة، مجارها الهادئة او الهجة، جبالها الخضراء مكسوة بالحشائش، او بيضاء مكسوة بالثلوج.
متعة الاذن: خرير المياه، حنات الموسيقى، اغاني النحل، همسات الاشجار؟
متعة الروح: الاختلاء بكتاب يحملك الى عالم الامس فتحيا فيه ساعة، او الى دنيا غير دنياك، فيها احداث وعادات غير احداثك وعاداتك، الجلوس امام الشاشة والاستمتاع بآخر ما وصل اليه الفن من ابداع... اتوانا نوقظ في نفوسنا


