سافر والدك ... وكان الصندوق في بركة ..
وظلت البركات تفيض منه الى ان كبرتم انتم ...
- اذن جف الصندوق على وجوهنا يا امي ؟!
- تسلم لي وجوهكم يا حبيبي ... وجوهكم وجوه الخير
في بيتي ولكنكم هجرتم هذه الارض يا ولدي ... الى المدينة .
وبقيت انا وحدي ... فبارت الارض عندنا ...
ستفيض بالخيرات ، حينما يعود والدك .
- ولم لا يعود والدي يا امي ؟
- البحر لنا عنده ثارات يا بني واميركا قلبها من جديد ...
ماؤها قاس يابس ..
اكتب له ان يعود ...
في كتاباتك يا بني حنان ...
اكتب له ...
وفي صدر امي غصات ، رأيتها تفيض في عينيها ..
... وفي رصيف المرفأ ، لقيت والدي ..
عاد ذات يوم مع البحر ..
اخذه البحر منا ، في الفتوة العنيفة ، وفي العنفوان الاشد ،
في الخطوة الواثقة ..
واعاده البحر ذات يوم البنا على غير ما اخذه منا ..
... وفي الطريق ، التي اوصلتنا الى الضيعة ، مرّ والدي على
سندياناتنا العتيقة ...
كانت عيناه تنهب التراب في كرومنا ، على الدرب ..
هنا ، كل حبة تراب تعرف والدي ويعرفها والدي .
عاش معها شبابه كله ... كلها اصبحت جواهر في كفيه ..
جوهرها والدي لتصبح كنوزاً في بيتنا ...
هنا ... كل شيء كان يعرف والدي ويعرفه والدي ...
كلها ربيت في محبة قلبه وسخاء فتوته ..
وسمعت ، سمعت في صدر والدي شيئاً كبيراً عظيماً يدق ..
كان قلبه يدق ، كأنه يمزق صدره ...
وسألني والدي عن السنديانة العتيقة التي لم يجدها على الطريق .
قلت : وقدناها حطباً وفحماً يا ابي ، لنتقي البرد في المدينة
تقول امي ...
ففرك والدي اصابع كفيه كأنما في كفيه جليد ...
... وفي البيت الذي عمّره والدي لنا ، وسافر ، شدّ
والدي نفسه الى الحديقة ...
وكنت بجانبه ، اتطلع الى قسمات وجهه ...
وكان يدور في الحديقة ، من شجرة الى شجرة ...
البذور التي شكها في الارض ، صارت شجرات كبيرة ...
الشجيرات الصغيرة .. شاخت وكان يغمر اوراقها الى صدره ...
«وشدني من يدي ... اين « العنّابة » انا غرستها بيدي ...
- هناك يا ابي ، في الطرف الآخر من الحديقة ... اكلنا
منها كثيراً ويأكل منها اولادي واولاد أخي ...
وشجرة اللوز .. كانت هنا ما ازال اذكر اني غرستها هنا ..
- كسرتها العاصفة يا ابي ، العواصف في بيتنا رهيبة ، عمرت
لنا البيت على كتف الوادي .. وفي وادينا عواصف تخيف ..
وقبل ان تكسرها العاصفة اكلنا من حياتها وذكرناك كما اوصيت .
- والشرفة الشرقية .. كنا نطل منها على ظهر القضيب ؟
- هبطت ، ذات ليلة .. قمنا صباحاً ، فلقيناها على الارض .
- والعريشة الحمراء ؟
- نخرتها دودة لعينة ، فماتت . وصندوق القمح الكبير ، يا
ابي فارغ ، ما فيه حبّ ... امي قالت ، انه سيفيض بالخيرات
عندما تعود ... غداً يفيض بالخير ...
وكان في عيني والدي دمعات كبيرة تركها تتدحرج على
خديه المجعدين .
...
وعندما ضمنا والدي الى صدره ، كلنا ، امي واخوي وأنا ..
احسست ان بيتنا قد امتلأ بالخيرات ، ورأيت من خلال دموعي ،
شجرة اللوز تعود شابة الى الحديقة ... وتزهر ... وعادت اليها
العصافير ... لن تشيخ بعد اليوم شجرة اللوز ..
وسنأكل منها كثيراً .
ورأيت ... من خلال دموعي الدالية الحمراء ، مثقلة بالعناقيد .
عادت خضراء كأنها ما عرفت الياس .
عادت الخيرات كلها الى بيتنا ..
ترى ، لِمَ لم يسألني والدي عن القمر الذي كان عندنا ، فوق
الدالية ؟ .
٩
