كانت المفاجأة غريبة مدهشة ، لعميد كلية الطب ، إذ دخلت عليه في مكتبه ، فتاة في العقد الثالث من عمرها ، تطلب اليه أن يلحقها بكلية الطب .
.. كانت الكلية لا تعرف بعد وجهاً للنساء ... وهذه اول فتاة تفكر مثل هذا التفكير وتخرج على التقاليد .. لا شك انها فتاة مصابة في عقلها ... وبابتسامة فيها كثير من الاشفاق والسخرية ، رفض العميد طلبها ..
وخرجت الفتاة ، فذهبت الى كلية اخرى ، تلتمس اللحاق بها ولكن العميد ردها ايضاً وهو يقول :
« ايسر عليك يا بنيتي ان تتزعمي ثورة من ان تصبحي طبيبة . »
ولكنها كانت تريد ان تصبح طبيبة ، بأي ثمن كان ، فلم تيأس بل زادت نفسها عتواً وتصميماً لتحقيق امنيتها .
ولدت « اليزابت بلاكويل » في انكلترا سنة ١٨٢١ ، وكانت ميالة للعلم وفي سن الطفولة المبكر انتقلت مع ابويها
الى اميركا .. فدرست هناك التاريخ ، وكانت تجيد الفرنسية والالمانية ، وعملت مدرسة ، ولكنها كانت تفكر بعمل آخر .
في ذات يوم مرضت جارة لها فقيرة فتطوعت لخدمتها في اوقات فراغها وشعرت بلذة في التمريض ، ولما حصلت جارتها على الشفاء تقدمت منها وقالت لها: « اني مدينة للمسات يدك ونظراتك الرحيمة ، بشفائي . لماذا لا تكونين طبيبة ؟ . »
صحيح ، لماذا لا تكون طبيبة ؟ خالجتها هذه الفكرة ، وظلت تلازمها ليلها ونهارها .
وتحدثت « اليزابت » بامنيتها الى طبيب العائلة ، ولكن الطبيب اجابها .. « ان دراسة الطب لا يصلح لها الا الرجال .... »
لم يقنعها هذا الجواب .
لماذا لا يصلح غير الرجال لدراسة الطب . وبالرغم من انها عادت الى التدريس ظلت تواصل القراءة في كتب الطب ، وهي تعلل نفسها ان سيأتي يوم تدرس فيه الطب . ان ذلك اليوم لا بد آت .. وراحت تطوف على كليات الطب في اميركا فترفضها الواحدة بعد الاخرى ، الى ان قبلتها احدى الكليات الصغيرة ...
كم كانت حياتها قاسية في ايامها الاولى ... اهل الضاحية كلهم يستنكرون هذا العمل يصدر عن فتاة ... واصحاب « البنسيونات » اغلقوا ابوابهم في وجه
هذه الفتاة المسترجلة . وكان الصبيان في الطرقات يجرون وراءها ساخرين . حتى الاساتذة ، في اثناء محاضراتهم كانوا لا يهتمون بها . والطلبة يتضاحكون عليها ويتغامزون ..
وعرفت بعد اشهر ان قبولها في الكلية كان مجرد مصادفة ولم يكن اقتناعاً من جانب العمدة ، ان اعضاء مجلس الكلية ، رأوا ان يستفتوا الطلبة الذكور في وجودها ، وكانوا على يقين ان الطلبة لن يجمعوا على ذلك ، ولكن الطلبة اجمعوا على قبولها ، لكي يتخذوها موضوعاً للضحك والسخرية .. وهكذا كان .
وحدث ان استاذ الجراحة اعلن انه سيقوم بعملية جراحية دقيقة امام الطلبة ، واشار اليها بألا تحضر الى قاعة العمليات ، ولكنها اجابت بجزم : « لقد دفعت رسوم الكلية كما يدفعها اي طالب .. وان لي الحق في ان اشهد جميع ما يجري في الكلية امام الطلبة . » واستشار الاستاذ الطلبة في ذلك ، فوافقوا على ان تحضر معهم اجراء العملية ، وراحوا يضحكون مما لا بد ان يحدث لها من اضطراب وذعر . ولكنها كانت اثبت قلباً منهم جميعاً ..
وطلبت في احدى العطلات المدرسية ان تلتحق بمستشفى للفقراء ، ولكن مدير المستشفى رفض ذلك قائلاً :
« قد تنسين انك امرأة ولكننا نحن لا يمكن لنا ان ننسى ذلك . »


