أحسب اننا مقصرون في حق خليل مطران .
وانه لمن الغبن ان يذهب هذا الشاعر العظيم ، منذ شهرين ، فلا نسمع شاعراً
عربياً او قل اديباً عربياً يقول في خليل مطران شيئاً رفيعاً خالداً .
كانما المطران ، لم يكن قرة الادب العربي في القرن العشرين ؟!
وكانما المطران ، لم يكن الثروة الشعرية الوحيدة التي تملكها خزائن الشعر العربي ؟!
وكانما كل شيء ذهب في ذهاب خليل مطران ؟!
قد تمضي قرون عديدة دون ان يمن الله على الأمة بشاعر كخليل مطران . شاعر
ينشأ من صميم الشعب ، فيناضل من روحه ومن دمه من اجل الشعب ، من اجل
الانسان النبيل في الشعب وتنصب كل مجاري نفسه في المجرى الانساني العام . فلا يعيش
الا من اجل هذه القيم الانسانية العالية ، ولا ينظم الا في حقيقة هذه المجاري الانسانية .
وفي « نيرون » الملحمة الشعرية الاولى في الادب العربي ، تجسدت هذه
القوى التي كانت تزخر بها نفس خليل مطران ؛ قوى العبقرية في الخيال والجمال
الفني ، والتصوير الرائع . « نيرون » قصيدة البطولة في خليل مطران . اغنية الثورة
المكبوتة في شعب محطم ذليل .
هي الصرخة المتمردة في صدر شاعر من شعراء العصر ، راعه في ما راعه ، ان
يرى ، فلا يرى غير القطعان البشرية تسير الى الموت تحت اسواط الجلادين ...
وكانت « نيرون » لهيباً في الشعوب العربية ، وكانت عاصفة من نار ودم ...
ما أدري كم الهبت من هشيم ، وكم اوقدت من لهيب ، وكم حطمت في دورانها
من اغصان يابسة في شجرة الشعوب العربية !
وانما الشيء الراهن ، ان هذه العاصفة التي اطلقها خليل مطران ، في اول من
اطلق العواصف في الادب العربي ، تبقى مستمرة في دورانها ... وتبقى لهيباً وناراً
ودماً ما دامت الحريات لا تخصب الا في الدماء والنار واللهيب ...

