زارتني رفيقة لي هي - بالقياس إلى مفهوم الثقافة عند أغلبية فتياتنا - متوسطة الثقافة. فجلست إلى طاولة عليها بضع مجلات منها «صوت المرأة» فأخذتها وقلبت عدة صفحات منها ثم توقفت قليلاً عند الفهرس فلم يستهوها سوى عنوان «رسالة حب». نظرت إليّ بعين ملؤها السرور، وقد نمّت ابتسامتها عن غبطتها بالعثور على مثل هذا الموضوع، وقرأت الرسالة بصمت، ثم رفعت صوتها مرددة بعض الجمل التي تتكرر فيها هذه الكلمات: حبيبي، مهجتي، يا نور عيني... إلى غيرها مما يكثر في مناجاة الحب. وليتها اكتفت بذلك بل أصرت على أخذ المجلة معها واعدة بإعادتها بعد يومين.
إن هذه القارئة متزوجة وأم. فما هو موقف الكثيرات من مستواها وخاصة العازبات منهن اللواتي لم تبلغ ثقافتهن الحد الذي يمكنهن من تسيير عواطفهن بما يقتضيه العقل؟!
إن الحب لمن أسمى العواطف الإنسانية إذا لم نقل أنه إسمها. وهو واقع لا سبيل إلى نكرانه مهما عملت على خنقه بعض التقاليد. ولكنه رغم ذلك ما يزال في شرقنا جريمة تجر العيب، والويل أحياناً، على من يجاهر بها. وأني على يقين من أن تسعين بالمئة من فتياتنا يقرأن رسائل الحب في شتى الكتب وينقلنها، ويحفظنها خفية، خوفاً من «العيب» أو جزءاً من غضب الأهل ونقمتهم.
لذلك لا أظن الخير في أن نبدأ بنشر وتشجيع ما لا يزال مستهجناً، بل من الخير لمجتمعنا والخدمة له أن نبدأ بتثقيفه في هذا المضمار ثقافة تجعله ينظر إلى الحقائق كما هي في واقعها لا كما ورثها من تقاليده البدوية.
أنا لا أنكر الفائدة الحاصلة من قراءة الخاصة لرسائل الحب عند كبار الكتاب والشعراء، ففي ذلك من المتعة الأدبية، والتعرف إلى قلوب العظماء ما لا ينكره منصف، غير أننا إذا هدفنا من نشر رسائل الحب إلى تعليم القراء من فتيان وفتيات سبل الحب ووسائل المخاطبة فيه فإننا نكون جد مخطئين متصنعين، إذ الحب عاطفة ذاتية صميمة، وهي ألصق العواطف بصاحبها، وأبعدها عن الحاجة إلى التكلف في الظهور، فما يحسه محب لا يمكن أن يحسه محب آخر، ولا أحد أقدر من المحب على التعبير عما في نفسه. كل يحب على طريقته، وكل يراسل بلغته، وربما كانت كلمة: «صباح الخير يا طير»، يتبادلها حبيبان، أقدر على التعبير من رسائل قيس الشعرية إلى ليلاه أو «الفرد ده موسه» إلى حبيبته.
أريد أن أخلص من ذلك إلى أنه إذا كان هنالك من مبرر لنشر «رسائل الحب» فإن الواجب التثقيفي الاجتماعي يقضي بإحاطة هذه الرسائل بإطار من التوجيه الرفيع حتى تسمو بقلوب شبابنا وشاباتنا ونصونها من عثرات العواطف البدائية المهوشة.

