ريشة الفنان تعلو وتهبط ، ترسم خطوطاً هنا وقد أخرى هناك ، بينما صوته يردد بنبرات واضحة عميقة تلك الأبيات الفخرية ، يردد بعض الأبيات الشعرية دون كبير وعي منه ، فهو يرددها لأن موسيقاها تعجبه ولأن بها شيئاً من هذا المنظر الذي يرسمه أمامه .
وما أحوج الفنان إلى أن يتعرف إلى روح ما يرسم ، فهو إذا كان بارعاً رسم بإيحاء قلبه قبل أن يرسم بإيحاء ريشته . وجالت يد الفنان جولة أخيرة حول تلك الصورة الزيتية ، جالت جولة أراد بها الفنان أن يبعث في الصورة الحياة ، أراد أن ينطقها ، أراد أن ... ولاحت منه التفاتة إلى طرف السجادة حيث جلس طفله شاخصاً ينظر إليه ، ويراقب حركاته وسكناته بعينين نجلاوين . والدي ، قال الطفل ، ما هذا الذي ترسمه ؟ إنها الصحراء يا بني ، قال الفنان ، الصحراء الوسنانة تستيقظ مع طلوع الفجر ، انظر ها هي أشجار النخيل ترتفع في الفضاء الواسع ، وتستقبل نور الشمس بكل دعة واطمئنان ، ها هي خيام البدو منتشرة على هذه الرمال الصفراء وقد وقف البدو حولها يحيّون مطلع النور ومصدر الحياة ، وتلك الجمال انظرها بني ، إنها مثال الصبر ورمز الدعة ، إنها تستعد لحمل الأثقال والسير بها وبأصحابها إلى
الفيافي الخالية المجهولة - وهذه الشياه ترعى ما تبقى على الأرض من كلأٍ نضير وتستمع إلى خرير مياه الساقية المنبثقة من فجوة في الصحراء القاحلة - انظر - انظر !
نام الطفل واحتواه عالم الأحلام ، فتخيل أمامه منظر ذلك اليوم ، إلا أن منظر الصحراء كاد يفوق جميع ما تجلى
أمامه من مناظر - الصحراء تلك الوادعة الآمنة التي رسمها والده - الصحراء ذات الرمال الذهبية والمناظر البهية - الصحراء التي رآها داخل إطار ذهبي ولكنه مع هذا شعر بجيبوتها - يا لها من صحراء جميلة ... ويقطع على الطفل حلمه ، أصوات منكرة تتناهى إليه خارجة من غرفة المكتبة ، فيستيقظ مذعوراً ويسأل الخادمة الخبر - فتجيب ، إنه جزء من حلم يا بني ، نم - .




