... لم يكن في بابل كلها اجمل منها .
كانت فتنة اهل بابل ، ارسلتها الآلهة الى الارض على اكمل وابدع ما ترسله الآلهة .. كانت اجمل من الوردة ...
وانفاسها اطيب من انفاس البنفسج ...
وفيها كأنه كأس من الخمرة الحمراء ...
وكان هو اجمل واقوى شباب بابل ..
جميل كأنه آله ...
وقوي كأسد الغابة ..
وكانا يعيشان في بيتين متلاصقين يراها وتراه ، منذ طفولتهما الاولى .
يتسلقان اشجار الغابة معاً ، ويختبئان في الادغال ، ويسبحان في النبع القريب .
وكانت «تسبية» تحب اثمار التوت الابيض ، - ولم يكن التوت الاحمر قد عرف بعد - فيتسلق «بيرام» اشجار التوت ويهزها فيتساقط الثمر الشهي على العشب الاخضر ، ويتضاحكان ...
وكانا ينموان ، مع اشجار الغابة ، او كأنهما في الغابة من اشجار ، كأنهما ارزتان ثبتتان ، يحرسهما الضوء والندى والليل والقمر والعصافير ...
وعرفا انه الحب ... هذا الذي يقلق ويعذب ، هذا الذي يحلو طعمه في الفم ، كأنه سكرة ، وهذا الذي يمرر القلب كأن فيه سكينا ...
وعرفا السهر والدموع ... في الليالي القمراء ، والليالي المعتمة ..
عرفا انه الحب هذا الذي يجمع بينهما بسلك دقيق خفي عجيب ...
وان لم يكن هو الحب ؟
فما هو اذن ؟
ما هو هذا الخفقان الدائم ؟
ما هو هذا الحنين المتواصل ...
لماذا يراها ، اثنى ما في حياته ...
ولماذا تراه اثنى ما في حياتها ...
بلى انه الحب ...
وراح «بيرام» يكلم أباه في امر هذا الحب ، وكلمت «تسبية» اباها ...
فإذا الابوان يرفضان ويستكبران ...
وكثرت شياطين الشر بينهما وتأصلت العداوة ، فتنكروا وتخاصموا ... ولكن الخصام لم يقو على هذا الحب ، فازداد سعيراً وازداد غراماً ...
ولم يكن «بيرام» يفكر في غير حبيبته ، فراح ينظم فيها الاشعار ويرسل غناءه يحدث الطير والشجر والقمر والنجوم عن حبه ، ويستعطف الآلهة على الآلهة تعطف وراحت هي تبكي في لياليها تتوسل الى آلهة الرحمة والحب ان تدركهما بعطفها ...
وامرت الآلهة ... فزلزلت الارض زلزالها ...
وكانت الغرفة التي ينام فيها «بيرام» ملاصقة للغرفة التي تنام فيها «تسبية» يفصلها جدار مشترك بين المنزلين .
فأحدث الزلزال صدعاً كالشعرة فوصل هواء الغرفتين ... واخذ غناء «بيرام» ينساب الى غرفة حبيبته ، وشهقات دموعها تنساب الى غرفته ...
ومن خلال هذا الصدع كان الحبيبان يرسلان الشكوى والحنين .


