


التفاؤل والتشاؤم ظاهرتان ملحوظتان عند كل الأمم على اختلاف أجناسها فمن الإنكليزي الذي يتفاءل بالقطة السوداء حتى ليدعها تسرح في أروقة البرلمان حرة وتفرح والعروس التي تسعد بمرأى تلك القطة إذا ما صبحتها في يوم عرسها... إلى الأفريقي الذي يلتف بجلد الأسد زاعماً أنه يهبه الشجاعة والقوة.. من القروية التي تضيء سراج الزيت ذا الفتائل الثلاث وتضعه في مفترق طرق ثلاث ليشفى طفلها العليل من الحمى المثلثة إلى نجمة السينما في هوليوود تعلق تمثال بوذا على صدرها تيمناً وهكذا
ولقد تفاءل العرب قديماً وتشاءموا ولا عجب في ذلك فهم أمة تعيش في أحضان الطبيعة فيتسع خيالها ويرهف حسها فتروح تستنبئ الغيب خفاياه وتراقب كل حركة يأتيها طائر أو حيوان أو نبات فتحملها على محمل مقصود ثم إنهم أمة لغة وبيان كلفت بالألفاظ فنظمتها وتغنت بها شعراً ونسقتها فسمرت بها نثراً فلا عجب أن تأخذ من الشيء اسمه وما يشتق منه من ألفاظ قد تعني خيراً أو شراً فتضيفها إلى لون الطائر مثلاً أو حركته فتخرج من ذلك بنتيجة تدعو إلى التفاؤل أو التشاؤم... فالغراب مثلاً أسود اللون سواداً يذكر الأعرابي بالليل الدامس الذي لا يهتوى بنجمة ثم هو يحوم
على آثار القبيلة بعد رحيلها أو فنائها ويغني أنغامه غير المطربة كأنه يتنادى ورفاقه فرحين بذلك الرحيل أو الغناء أما اسمه فيشتق منه تغريب وغربة وغيرها فهو إذاً نذير الشؤم وهو إذا ما نعب أسرع الشاعر فصاح:
وشجر البان وشجر الغرب يشتق منها بين وغربة فإذا تغنى الطائران عليها صاح الشاعر:
أما العقاب فتشتق منه كلمة عقبى والحمامات يشتق منها حمام وحمى وغيرها ولكن بياضها وكونها رسول السلام يجعلان أرجحية التفاؤل بجانبها والهدهد بشير الخير في عرفهم فهو دليل سليمان على مواضع الماء في أعماق الأرض والقنزعة التي في رأسه هي ثواب من الله على ما كان من بره لأمه عندما ماتت فجعل قبرها في رأسه وهكذا نرى الشاعر يهتف:
ونحن اليوم كسائر الناس قديماً وحديثاً نتشاءم ونتفاءل من أشياء عدة ولقد نفعل هذا دون أن نعرف سبباً له ونفعله لأن الناس حولنا يفعلونه فنقلدهم فإذا ما عثرت قدم إحدانا بالطريق بحدوة حصان انحنت فالتقطتها مسرعة وقد شاع البشر في محياها ثم حملتها وكأنها وجدت كنزاً فعلقتها في مكان بارز من المنزل لكي تجلب لها السعادة بل ولقد تعلقها في غرفتها الخاصة وفوق سريرها زيادة في التيمن.. ولقد يظن المرء أن هذا الاعتقاد عربي محض لأن الخيل كانت للعربي مصدر الخير حتى قال قائلهم: الخير معقود بنواصي الخيل ولكن أمرين اثنين يجعلان المرء يشك في صحة هذا الرأي أولاً لأن التفاؤل سائد في الغرب قبل أن يسود هنا فالأرجح أننا أخذناه عنهم ولم يأخذوه عنا. ثانياً لِمَ لَمْ يتفاءل العرب بشيء أقرب إلى ناصية الحصان من جودته؟ لِمَ لم يتفاءلوا بقطعة من السيور التي حول رأسه، أو الزينة التي حول عنقه؟ وهناك رأي أقرب إلى الحقيقة وهو أن في الحدوة مسامير سبعة وعدد السبعة مبارك في نظر الناس دائماً فالخالق عز وجل خلق العالم في ستة أيام واستراح في السابع، والكتب المقدسة تروي ما لذلك العدد من مقام، فالسموات السبع والملائكة السبع، وطبقات الأرض السبع إلى غير ذلك. ولعل الحدوة وهي تشبه رقم السبعة إلى حد كبير أصبحت في نظرهم سبعة مرتين..
