وما دمنا نتحدث عن الارقام فلا شك اننا
نلحظ انها تلعب في اعتقادنا دوراً هاماً،
فعدد الخمسة مثلاً يدرأ الشؤم ويخزي العين
الشريرة، فاذا ما خشيت سيدة حسد
اخرى او سمعت بانها تحسدها اسرعت
تقول: «خمسة بعينها» او «خمسة وخميسة
بعين اللي ما يصلي على النبي» فهل هذا
لان رقم الخمسة يكتب حلقة مفرغة لا
تخترقها عين الحاسد؟ ولقد تسأل المرأة
عن عمر طفلها فاذا كان خمسة اشهر او
سنوات اجابت: عمره عدد اصابع يدك
بل وكم رأينا اطفالاً علقت على رؤوسهم
قطعة فضية او ذهبية مصوغة على شكل
كف اليد واصابعه، وهي اما ان تلصق
بقطعة من الشمع الى شعرات الطفل
الامامية واما انها تخاط الى غطاء رأسه،
فهل معنى هذا ان الكف المبسوطة تقصي
عين الحاسد فتمنع خروج الشر منها كما
يمنع لمس الخشب عند الفرنجة وصول
كهرباء عين الحاسد الى المحسود؟
وعدد ١٣ له شؤمه المعروف، وذلك
اعتقاد جاءنا من الغرب ومبعثه ديني على
الارجح، فقد كان السيد المسيح وتلاميذه
ثلاثة عشر شخصاً وكانت المجموعة كلها
طيبة صالحة عدا الشخص الثالث عشر
الذي خان وجلب الشؤم على المجموعة
كلها.. اذاً فكل شخص ثالث عشر في
مجموعة ما قد يصبح شؤماً عليها، واذاً
فليتحاش الناس عدد ١٣ ورقم ١٣
وليرووا الاحاديث صادقة او مبالغاً فيها
عن قوة شريرة تكمن في الرقم وليطبقوا
كل صدفة حصلت ولينسبوها اليه ولكن
لعلنا لا ننسى ان الكثيرين تحدوا الرقم
المشؤوم فأبوا الا ان تكون غرف قصورهم
١٣ وعدد خدمهم ١٣ ورقم غرفة مكتب
الواحد منهم ١٣ ومع ذلك فلم يصابوا
بأذى، وكم من اناس نعب غراب فوق
منازلهم او صاحت بومة مساء فما استطاعت
ايصال الاذى اليهم، بل وكم من اناس
علقوا حدوة وحدوات فما سعدوا.
التفاؤل والتشاؤم معتقدان لم يثبت
صحتهما، فما كشف لنا بعد عن عالم الغيب
وما يخفي وما تأكد لنا ان الطيور او
الحيوانات او النباتات لها صلة بمدير
الكون. تعلم ما يضمره من خير لنا او
شر فتشير الينا من طرف خفي عن تلك
النوايا فما من الخير اذاً ان نتعلق باوهام
اما اذا لم يكن بد من ذلك فليصبح البان
باناً لا بيناً والغراب عودة من غربة كما
كانت الحمات «حم لقؤنا».
اجل ليس من الخير للمرء ان ينظر
الى الدنيا بعين قلقة متشائمة فالتشاؤم
وانتظار مصائب قد لا تحدث هو شقاء
يخلقه المرء لنفسه بنفسه وان ثلاثة ارباع
مصائبنا هي مصائب وهمية فنحن نحلم في
النوم او في اليقظة فنتشاءم ثم نكون
لانفسنا فكرة ان المصيبة قادمة لا شك
فيها ثم نروح ننتظر وقوعها بين هلع
وارتعاد، وغالباً ما لا تحدث فلا نكون
قد جنينا الا اننا انزعجنا سلفاً واشقينا
انفسنا بلا مبرر وصرفنا بضعة ايام
من العمر في تعاسة اضنت قوانا وحطمت
اعصابنا، ولو اننا تفاءلنا بدل التشاؤم
لسعدنا او لاكتسبنا على الاقل فسحة
من الوقت فلم نحزن سلفاً ولم نشق قبل
ان يحل الشقاء.
ترى لماذا يلبس بعضنا العوينات القاتمة
دائماً؟ ولماذا يرى بعضنا الانفاس الرقيقة
تجلل مرآة نفسه فلا يسرع ويمسحها بخرقة
بيضاء، بل يخيل اليه انها ضباب كثيف
فيروح يتنهد ويزفر امامها حتى تتكاثف
الانفاس فيصبح ضباباً حقاً.

١١
