على اصوات الطبول.. وانغام الناي.. في وسط الجماهير من المهاجرين والانصار يسير الركب يحمل محمداً وصديقه الوفي «ابو بكر الصديق» فراراً بالنفس والايمان.. الايمان بالله وحده لا شريك له.. وفي غفلة من قريش المعرضة عن دين الله والذين آذوا الرسول واهانوه وتآمروا عليه!.
لاحت تباشير الصباح فاستيقظت الاطيار معلنة بشائر الافراح وقد ابتسم الكون وهلّت السماء... لقد دخل محمد ارض المدينة تلك المدينة التي فتحت صدرها لتضمه اليها فتعاضده وتناصره بعد ان تحالفت معه على نشر الحق والدعوة اليه..
لقد هاجر محمد الى يثرب جهاداً في سبيل السعادة البشرية، والسلام الابدي التام فالدين الاسلامي اذن دين جهاد وسلام!.. جهاد لرد من اعرض عنه وصرف الناس عن الاعتناق به وسلام.. سلام النفس عن طريق الرضا والتقارب
والتحاب في الله والاخوة فيما بين المسلمين فقد قال تعالى في كتابه: «انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخوتكم.»
ليس من يوم اقدس واحب من هذا اليوم في تاريخنا الاسلامي المجيد. يوم يذكرنا برحيل منقذنا وهادينا الى جادة الصواب، ومنارة الحق، ومثابة الهدى، اذ اخرجه الكافرون «فانزل الله سكينته وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا» فلقد وقفت الدعوة الى دين الحق تواجه الوثنية فوقف الايمان بالله في وجه الشرك وعبادة الاصنام حتى تم الفوز لدين الله وللمؤمنين به.. وهكذا هو الحق يعلو ولا يُعلى عليه..
محمد ذلك المجاهد العظيم الصامد في وجه المصاعب والشداد فلم يثنه غدر الكافرين عن دعوة ربه. فيا لها من كلمات خالدات تظهر قوة ايمانه وتمسكه بعقيدته المثلى واعتماده حينما اتى القرشيون عمه وطلبوا اليه ان يكلم محمداً فيخلي سبيلهم
ويكف عن تحطيم آلهتهم على ان يعطوه المال والرئاسة فقال وعلى خديه دموع الصبر.. دموع الرحمة.. دموع الالم: «والله يا عم لو وضعوا القمر في يميني والشمس في يساري، على ان اترك دعوة ربي ما تركتها فافعل ما انت فاعل، ولي رب يحميني». مثل هذا الصبر وهذا العزم أخرج امته من الظلمات الى النور بعزمة تنقطع دونها العزمات!
في مثل هذا العام منذ الف وثلاثمائة وتسع وستين سنة خلت، كان رسولنا صابراً جاداً في هداية الضالين عن طريق الهدى.. وفي ذلك العام سرى مركبه محاطاً بلفيف من اتباعه المخلصين.. سائراً الى بلد الهدى والحق!. الى موضع ثقته باهل يثرب فدخل المدينة وسط الافراح والمكارم.. وسط الحفاوة والبشر فوجد هنالك قلوباً واعية حية عامرة بالايمان فاتيحت له الظروف في مدة وجيزة ان ينشر ما اوحى اليه، فكانت نوراً وهداية للاسلام بعد ان كانت قبائله

