في مسكن هادئ ، تضمه الاشجار ، نشأ وترعرع ونبغ سمير . كان سمير فناناً بارعاً ، ان لم اقل نابغة ، فلقد ولد موسيقياً وشاعراً وكان شغفه بهذين الفنين متأصلاً في مكنون نفسه ، فنمت مواهبه مع نمو جسمه وعقله .
من ذلك المسكن الحزين ، كانت تنبعث الحان شجية ، طرب لها الاثير ، ثم تناولتها الاسماع ، فذاعت شهرة الملحن القدير .
كان سمير وسيم الطلعة ، عميق النظرات ، بارعاً في الحديث . ان حسن التعبير وطلاقة اللسان لمن المواهب العظيمة حقاً ، وما زاد في عذوبة أحاديث سمير صفاء الصوت الذي كانت رثائه تشبه ايقاعات كأنه السحري . وهب سمير ايامه ولياليه للموسيقى ، فاصبحت كل شيء في دنياه ! كان يجد بعض الارتياح في اعجاب الطبقة الراقية بالحانه ، وكثيراً من السلوى في الرسائل الطريفة التي تنهمر على منضدته من الهاتفات به المعجبات بفنه . ولكن .. ولكن كان يشعر بعزلة اليمة ... ود ابوه واصدقاؤه اخراجه من هذه العزلة فحاولوا دمجه في المجتمع ، ثم فاتحوه بالزواج ، ظناً منهم انه سيجد فيه الراحة والاستقرار . رحب سمير بالفكرة وبدأ يبحث عن اميرة احلامه ، عن الشريكة التي كانت
يسميها « الروح الشقيقة » انه يعرف عدداً كبيراً من فتيات جيله ، بل لقد اخضع كثيراً منهن لسلطان الفن بعذب الحان ، بيد انه وقع في حيرة الانتقاء : من مختار منهن ؟ بل من التي تصلح لتكون زوجة له ؟ هنالك ليلى وسعاد وناهد وغيرهن ، غير انه وجد لكل واحدة علة ... واخيراً تعرف بفتاة اعجبته ، فدفعه نصح ذويه واصدقائه لطلب يدها ، وتزوجا بعد شهر واحد من اللقاء الاول .
انقضى شهر العسل وقطنا في دار لطيفة برهنت ناديا على انها قادرة على ادارتها بمهارة . كانت زوجته فتاة جميلة ، كريمة المنبت ، عالية الثقافة ، ولكنها .. ولكن ناديا لم تكن « الروح الشقيقة » التي اتخذها سمير عروساً لموسيقاه !! يا لسمير من تعيس سيء الحظ ! لانه بدأ يشعر بظمأ الى شيء لم يحصل عليه بعد الزواج ، يتعطش الى اشياء واشياء ، شأن كل فنان في حياته الخاصة . فانطوى على ألمه ، وعاد الى وجهه الشحوب ...
مرت الاعوام وصار سمير أباً لولدين غير انه ظل حزيناً ظمآن ! عجب لامره اصدقاؤه ، وعجب هو من نفسه ، وكثيراً ما كان يتساءل ويقول : « لم يا ربي اشعر بالوحدة تحت سماء داري العامرة ؟ ما الذي ينقصني ولدي زوجة طيبة ، وطفلان ومائدة تحوي ما لذ وطاب ؟ فكيف الاهتداء لتعليل هذا الاكتئاب ، حاول سمير كثيراً ان يتناسى هذا الشعور
بالنقصان ، بيد انه لم يفلح ! ألم تكن تلك الاوهام الخبيثة مبعث كدره واضطرابه ؟ لا ! لا ! انه يشعر بحاجة الى شيء مجهول لم يهتد لمعرفة كنهه ، وكان من اجله يبكي ولكن بغير دمع ، ويشكو ولكن ... من غير الم ! وفي حالة القلق هذه لحن معزوفته التي سماها « بلا أمل » وهي قطعة حزينة لا يستطيع احد ان يسمعها دون ان يبكي ، الا من كان قلبه قد قدّ من الحديد ! تتمثل في هذه القطعة أسمى الاحساسات الانسانية ، فهي مجموعة صرخات أليمة وصلوات حارة تجمع بين القوة واليأس ، ويخيل الى السامع في نهاية المعزوفة ، ان هذه الصلوات قد حظيت بالاجابة من الخالق المبدع ! ان معزوفة « بلا أمل » لغة كل روح معنوية ، ولسان كل قلب مكلوم . ولا تسل عن اثرها في دعم شهرة هذا الموسيقار .
عزف سمير قطعته الرائعة من محطة الاذاعة وأقيمت على شرفه الحفلات . كان يعتذر ويحاول التهرب من اكثر هذه الدعوات وحينما دعي لحضور حفلة ميلاد الانسة رنده ، شقيقة صديقه فؤاد ، وعد ان يحضر لان فؤاد من أعز المقربين اليه ، ولما سمع منه عن شغف اخته بالتصوير والموسيقى .
كانت رنده في الواقع تهتم كثيراً بالفنون الجميلة ، وتكره موسيقى « الجاز » والحفلات الراقصة التي تجمع بين اللهو الرخيص والشراب . اما اعجابها بسمير


